الصفحة 418 من 642

مثل الإضرابات، ومقاطعة البضائع اليهودية، وعدم دفع الضرائب، ومنع تبول الوظائف والأعمال الحكومية (27) . وفضلوا بدلا من ذلك عرض قضيتهم على جهة بريطانية متعاطفة معهم معتبرين ذلك، على حد قول أول مفوض سام، بديلا مدروسة لأسلوب العنف الذي تفضله الطبقات الدنيا (28) . وفي العام 1923 قال جمال الحسيني، أمين سر اللجنة التنفيذية، الأحد المسؤولين البريطانيين إن هنالك طريقتين لتحقيق نيل الفلسطينيين لحقوقهم السياسية: إما الوسائل الدستورية أو الثورة، إلا أن الأفضل سلوك الطريقة الأولى على الرغم من أن الثانية تحقق لهم مطالبهم العادلة في ستة أشهره 2). وحتي إبان التوتر المتزايد الذي شهدته أوائل الثلاثينيات، أثني المفوض السامي السير آرثر روشوب بحرارة على المفتي لما أظهره من اعتدال على الرغم من اتخوفه من أن انتقادات خصومه الكثيرين له بأنه ممالئ للبريطانيين قد تضعف نفوذه في البلاد (30)

ولم يكتف القادة الفلسطينيون بمعارضة العنف، ولكنهم أصبحوا أكثر تقبلا للمصالحة بعد أن وجدوا عاملا مشجعة إلى حد ما في المصاعب التي واجهتها الصهيونية في أواخر العشرينيات، وبدا أنهم مستعدون لقبول مقترحات للحكم الذاتي المحدود من النوع الذي عارضوه بشدة في العام 1922. وقد أعجب المفوض السامي بهذا الاعتدال فقدم مشورته في أوائل العام 1929 إلى حكومة لندن، قائلا إن من الصعب رفض المطالب بإحداث مجلس تشريعي، وقال إن العرب لم يعودوا يطالبون بإلغاء وعد بلفور وإنهاء الانتداب، بل إن مخاوفهم من الصهيونية قد خفت إلى حد ما (31) . وقد كان المجلس التشريعي الذي اقترحه أقل اغراء من الشكل الذي طرح في العام 1922 من وجهة التمثيل والوجهة الديموقراطية، بيد أن اللجنة التنفيذية العربية وافقت عليه ودخلت مع المفوض السامي في مفاوضات مطولة تناولت الموضوع الشائك وهو كيفية تنفيذ هذا المشروع.

الشعب يختار العنف بيد أن العنف تفجر رغم ذلك وحطم المفاوضات. وقد وقعت أحداث العنف في آب 1929 وكانت مثل انفجار يافا قبل ثمانية أعوام، وليدة هياج الغوغاء هياجة مفاجئة أعمي. وقد تفجر العنف على الرغم من السياسيين. فقد كان استجابة تلقائية من قبل الشعب لما رأى أنه عنف يقوم به الطرف الآخر. ألم يكن البرنامج الصهيوني الذي يستمر تطبيقه بدأب في ظل الحكم البريطاني صورة من العنف؟ صحيح أن الصهيونيين لم يعتمدوا على القوة المسلحة، إذ اعتمدوا على البريطانيين لأنهم نجحوا في إقناعهم بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت