فقد وقف رجال الشرطة يقطعون الطريق عليهم، وحاول اليهود أن يقتحموا الطوق الذي ضربته الشرطة، بيد أن رجال الشرطة ضربوهم بالهراوات، فأصيب حوالي خمسة وعشرين من اليهود، غير أن إصاباتهم طفيفة.
بعد أن أنهيت تدوين آخر فقرة في مذكراتي نزلت لتناول الغداء وسمعت مجموعة جديدة من الشائعات المقلقة. وعند حوالي الساعة الواحدة والنصف خرجت لشراء علبة سجائر، فأخبرني البواب العربي العجوز الذي يقف عند نزل المهاجرين أن المفتي قد خرج قبل فترة وجيزة واتجه ليلقي كلمة في الجماهير المحتشدة حول جدران المدينة. بدا هذا الكلام خطيرة لأن المفتي لم بعد الظهور في المناسبات العامة، ولم أكن قد رأيته من قبل على الإطلاق على الرغم من أنني كنت أسكن على مسافة خمس دقائق من الحرم ومن منزله. لذلك عدت سريعة إلى النزل لأضع قبعتي، فوجدت صديقة لي (موظف بريطاني) وخرجت معه لنرى ماذا هناك. مشينا في الشارع الضيق مارين مجموعات من الناس المهتاجين أو الخائفين حتى بلغنا بوابة دمشق حيث وجدنا أنفسنا في وسط جمهرة من القرويين العرب الذين كانوا على ما يبدو في حالة هياج شديد، وكانت هتافات طويلة تتردد ننادي داسلامية. تمكنا من تجاوز هذه الجمهرة من دون صعوبة، فقد كان رفيقي يتحدث العربية بطلاقة، ثم وصلنا إلى زاوية الشارع المسمى - على ما أعتقد - شارع النبي. كان الجمهور يتجمع أمامنا مباشرة، وبدا مستيقنة أن دما سيسفك قريبا في مكان ما، على يد شخص ما. كانت المنازل الواقعة في الجانب الآخر من الجمهور، أي مقابلنا، منازل يسكنها. كما علمت فيما بعد - مجموعة من يهود جورجيا. وقد اتجه اهتمام الجمهور إلى هذه المنازل، ووقف أمام هذه المنازل اليهودية ستة من رجال الشرطة مسلحين بهراوات قصيرة فقط. وكانت الجماهير نتجمع بسرعة مذهلة، فلم تمض دقيقتان أو ثلاث دقائق حتى كان المكان الواقع أمامنا قد اكتظ بالناس. وكانت الهتافات الطويلة تدوي في الهواء مخيفة مروعة.
لاحظ رجل يرتدي ثيابة عربية وقوفنا هناك فاندفع إلينا رشدنا بقوة إلى مدخل بناء وقال: وقفا هنا، قفا هنا بالله عليكما، فإن هؤلاء الفلاحين سيقتلونکماء. فوقفنا في مدخل البناء ووقف هو أمامنا يصيح بصوته الأجش في الغوغاء