الصفحة 436 من 642

طالبة منهم الرجوع قائلا إن كل شيء على ما يرام. غير أنهم لم يأبهوا له، بل اندفعوا نحو الشرطة الذين دافعوا بشجاعة مستخدمين هراواتهم. لكن ماذا تفيد الهراوات في وقت كهذا؟ فقد كان الفلاحون يلوحون بالعصي والهراوات والسكاكين، واندفعوا كما يندفع الغوغاء غير آبهين بالجهود التي

كانت تهدف إلى إيقافهم. فاندفع بعضهم من تحت بطون الخيل، بينما اندفع الآخرون من بين رجال الشرطة الستة الذين لم يكن لهم قبل بهذا العدد الكبير. وما هي إلا لحظة حتى سمعنا صوت تحطيم وصراخة عالية. لم نكن نستطيع أن نفعل شيئا سوى أن نولي هاربين، وهربنا فعلا ...

عدت إلى بوابة دمشق بعد ربع ساعة من مغادرتي لها. وعندما رجعت كان جمهور العرب قد تفرق (فالأعمال التي لا يمكن نقضها لا تتطلب إلا وقتا يسيرة جدة) ، وكان هناك زجاج محطم وأخشاب مكشرة، وحطام من كل الأنواع في الشارع، وكان باستطاعة المرء أن يرى الدم أمام منازل اليهود الذين جاؤوا من جورجيا على عتبات دورهم الحجرية.

كان عدد اليهود في القدس يفرق عدد العرب بنسبة اثنين إلى واحد، وكان الجميع يعرفون أن لدى اليهود أسلحة نارية، بينما لم يكن لدى العرب شيء منها. لذا بدا مرجحا في هذه الظروف أن تفوق اليهود في العدد والسلاح وتنظيمهم ومركزيتهم تمكنهم من إلحاق أضرار بالغة بين العرب اليوم أو يومين إن هم أرادوا ذلك، ولقد ظننت بناء على ما رأيت وسمعت طوال الأسبوع المنصرم أن هذه هي رغبة عدد كبير منهم ...

أسفرت الفوضى التي رفعت يوم الجمعة عن وقوع عدد كبير من القتلى بين اليهود والعرب. واستمر الدافع إلى القتل سائدة أسبوعا، وعندما انتهت أحداث الإرهاب كانت الإحصائية الرسمية لمدينة القدس: يل تسعة وعشرون يهودية وثمانية وثلاثون عربية، وأصيب ثلاثة وأربعين يهودية وواحد وخمسون عربية بجراح. وكان ما لحق بالعرب هنا في القدس وفي حيفا أسوأ كثيرة مما الحق باليهود، إلا أنه كان يبدو واضحا أن الاصابات التي أوقعها اليهود بالعرب كانت بالدرجة الأولى ... دفاعا عن النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت