الصفحة 508 من 642

صيفة العمومية الواسعة، بل لو ارتفعت إصبع اتهام، فقد كان الأرجح أن توجه إلى المتطرفين العرب بالدرجة نفسها التي توجه بها إلى المتطرفين اليهود. فقد تساءلت صحيفة بالسناين بوست» قائلة: «هل هنالك يهودي بلغ به الجنون، حتى وإن كان شديد المكر، أن يغامر بوضع قنبلة أو إلقائها بين الجمهور الكبير الخارج من المسجد؟ وهل هنالك طريقة أفضل لزرع بذور الحرب العرقية ... من القيام بهذا النوع من الجريمة التي تجعل العربي السليم النية، بما تقدمه من قربان وما يسفر عنها من فزع، ينهم اليهودي بالقيام بها؟» (2) . والواقع أنه لم يقبض على أحد من الفعلة. فقد كانت الشرطة اليهودية متواطئة مع أبناء جنسها مثلما كانت الشرطة العربية متواطئة مع العرب. أما العالم الخارجي فلم يكن لديه شك في أن الفعلة من اليهود، إلا أنه كان على أتم الاستعداد لالتماس أسباب مخففة. فقد خلصت صحيفة «المانشستر غارديان» إلى أن الإرهاب المستمر المنظم من الخارج، جعل مبدأ ضبط النفس اليهودي ينهار. إلا أن هذا الانهيار «خفيف ... وطبيعي وحنمي» . ولا شك في أن أحدا من أبناء هذه الجزر العنيفين لا يمكن أن يتحمل جزءا من مائة مما تحمله اليهود الفلسطينيون على مدى أكثر من عامين من دون حصول رد عنيف (1) .

كانت القنابل يهودية بالطبع، على الرغم من أن أحدا لم يتبن المسؤولية عنها في ذلك الوقت، وكانت بكلام أكثر تحديدا تعديلية. وبدت استنكارات القيادة الرسمية، التي أعجبت الأطراف الخارجية، تحمل الكثير من الرياء في عيون العرب الذين مالوا، على الرغم من صحة أحاسيسهم العامة، إلى القفز نحو بعض الاستنتاجات الساذجة؛ فبعد انفجار حيفا احتج وفد من النساء المنقبات أمام المندوب السامي، وقالت له إحداهن إن الدكتور وايزمان، الذي يبدو أن سمعته كعالم كانت قد وصلت إلى آذانهن غير المثقفة، كان يصنع القنابل في معمله في رحوفوت.>

يقول كاتب سيرة جابوتينسکي وتلميذه، جوزف شيختمان، إن الرجل عاش صراعة طويلا مع ضميره حول مدى أخلاقية الإرهاب. ووجد ما اعتبره التبرير السياسي للانتقام، لكنه كان في الوقت نفسه البرالية نموذجية من لبرالي القرن التاسع عشر اعتبر الحياة البشرية مقدسة. فقد قال يوما لزميل: ولا يمكنني أن أرى الكثير من البطولة والنفع العام في إطلاق النار من الخلف على فلاح عربي يركب حمارة، ويحمل خضارة ليبيعها في تل أبيب (2) . لكنه مع مرور الزمن تبني بشكل كامل سياسة الانتقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت