وثلاثون دقيقة، اقتربت ساعة الصفر. وازداد جدعون قلقة. نصف الساعة يكاد ينتهي. الثانية عشرة وسبع وثلاثون دقيقة ... فجأة بدت المدينة وكأنها تهتز باكملها. لم يقع أي خطأ. كان الانفجار أقوى مما كنا نتوقع. فإسحق صادح، رجل دهاغاناه، كان يشك في احتمال بلوغ أثر الانفجار الدور الثالث أو حتى الدور الثاني. بينما قال غيدي إنه على الرغم من أن المتفجرات الموضوعة في علب اللبن لم تكن تزيد في وزنها على خمسمائة باوند من مركب من الديناميت والغلغنايت، فإن وضعها في مكان محدود کالدور السفلي يزيد من قوة الغازات المنطلقة، ما يجعل الانفجار يصل إلى السقف. والواقع أن علب اللبن وصلت إلى أعلى مكان في المبنى، من القبر إلى السقف، لستة أدوار من الحجر والإسمنت والفولاذ. وقد وصفت «هيئة الإذاعة البريطانية، الحادث فقالت إن جناح المبنى الضخم قد قطع بأكمله بسكين).
لقد ملك أكثر من ثمانية وثمانين شخصا تحت الأنقاض: بريطانيون، وعرب، وخمسة عشر يهودية. كان نسف فندق الملك داود يحمل للعالم كله رسالة مفادها أن دولة جديدة قد قامت في فلسطين. لقد تم حمل هذه الدولة في وعد بلفور، ونمت في رحم الانتداب، وكان ميلادها بالعنف الذي يترافق مع الأحداث التاريخية دائمة. وقد ظن الكثيرون، وبينهم ضعاف القلوب من اليهود، أن المولود الجديد سيسحق وهو في المهد. إلا أن هذا يبين مدى قصور فهمهم وإدراكهم للطاقات الكامنة في الروح الإنسانية. ويشرح مناحم بيغن في كتابه «الثورة» لقارئه غيبيات انعتاق الأمة اليهودية:
انطلق الانفجار من الأرض. إن القصة اليونانية القديمة التي يستمد فيها أنتايوس نؤته من الاتصال بالأرض الأم أسطورة من الأساطير. لكن القوة المتجددة التي وجدناها، ووجدها شبابنا بشكل خاص، من الاتصال بتراب أرضنا القديمة، ليست أسطورة وإنما هي حقيقة. لم يكن لدى موظفي وزارة الخارجية البريطانية أي تصور لهذا عندما وضعوا خططهم. فما الذي كان يمكن أن يتنبأوا به من تلك القوى الخفية التي اعتاد هرتزل أن يشير إليها باصطلاح بما لا يمكن تحديده؟ إن خطأ أولك الموظفين لم يكن خطأ رياضية. فهم لم يخطئوا في حساب عدد اليهود الذين يريدون الذهاب إلى