و مستند هذا التعليل السقيم هو فهمه العليل لكلام العلماء في قوله تعالى:"إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ" (المائدة 33) .
فالجمهور أنّ المعتدي يطلب حتّى يقدر عليه، فيقام عليه الحدّ أو يهرب من دار الإسلام، وقال البعض هو أن يخرج من بلد إلى بلد آخر، كما هو قول الشعبي وسعيد بن جبير وغيرهما، واختار ابن جرير أنّ المراد بالنّفي ها هنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن به.
و ذهب أبو حنيفة وأصحابه أنّ المراد بالنّفي ها هنا السجن [1] ، فتشبّث صاحب الرّسالة بما جاء عن أبي حنيفة، وأطلق القول بأنّ النّفي هو السجن وأنزل الأحكام من ثمّ بناء على فهمه السقيم.
إنّ النّفي لا يعني الأسر عند الأئمة، ودليل ذلك قوله تعالى:"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) " (سورة الأنفال 30) ، فغاير الله تعالى بين الإثبات وهو الأسر، وبين الإخراج وهو النفي.
ثمّ ما جاء عن أبي حنيفة وأصحابه فهو خاص بهذه الآية، وإذ هو معلق بمقصد العقوبة ولم يريدوا شرح كلمة النفي، فما ذهب إليه الحنفية ليس هو شرح الكلمة بل بيان أنّ المقصد الموصّل إليه بالنفي قد يوصّل إليه بالسجن.
وأخيرا أقول لصاحب الرّسالة: هب أنّ معاني النفي عند الحنفية هو الأسر، فمن قال لك أنّ قصر الصّلاة قصر الكميّة منوط بالأسر كما هو منوط بالسفر؟! والأمر في مثل هذا مبني على الوقف؟!
هذا مجمل ما جاء في الرّسالتين، وما مرّ من البحث كفاية إن شاء الله في الرّدّ عليهما، والحمد لله ربّ العالمين.
(1) - تفسير القرآن العظيم للإمام إبن كثير [2/ 589] .