الصفحة 15 من 20

هذا ما جاء في الكتابين المغني وفقه السنّة وليس فيهما ما إدّعاه ذاك، والله المستعان.

و هذا الذي عرفناه من مذهب الشافعي وأحمد، هو ما كان عليه مالك حيث سئل رحمه الله تعالى عن صلاة الأسير، فقال [1] : مثل صلاة المقيم إلاّ أن يكون مسافرا.

فأناط رحمه الله القصر بالسفر وحده، وهذا الذي لا نكاد نجد له مخالفا إلاّ ذاك الجريء.

ثالثا: زعم ذاك الجريء أنّ علته إستنبطها من آية النساء، أي قوله تعالى:"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ"، فالجواب من وجهين:

-الوجه الأوّل: إذا كان المقصود أنّ من جعل علّة القصر هو السّفر ومن أحكامه أي السّفر عدم استقرار المسافر في إقامة، فهذا مسلّم به، ومع ذلك فقد اختلفوا في هذه الجزئية، أي إختلف علماؤنا في ضابط هذا الإستقرار، مثال ذلك: ذهب الحنابلة إلى أنّ المّلاح الّذي يسير في سفينته وليس له بيت سوى سفينه، فيها أهله وحاجته، فهذا لا يباح له القصر، وذهب الشافعي إلى أنّه يقصر ويفطر لعموم النصوص، فردّ الحنابلة على الشافعية كما في المغني [2/ 104] : ولنا أنّه [أي المّلاح] غير ظاعن عن منزله [أقول: الظاعن أي الراحل والمسافر] ، فلم يبح له الترخص كالمقيم في المدن.

فهذه الجزئية بحثها أئمّتنا في مسألة تحديد مدّة السفر، فليتنبه!.

-الوجه الثاني: أمّا إذا أراد بهذا الإستنباط العليل أن يجعل علّته علّة القصر، فهذا الّذي لا أعلم أحدا من الأئمة سلفا وخلفا قال به.

وأذكّر بما قاله موفق الدّين المقدسي: إنّ التقدير [وهو يتكلّم عن مسافة السّفر] بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد. اهـ

(1) - الموطّأ: باب صلاة الإمام إذا أجمع مكثا. كتاب قصر الصلاة في السّفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت