بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الشيخ أبي محمد المقدسي
الحمد لله الذي أثنى على أهل العلم والفهم والفقه وجعلهم بين الخلق كالنبراس، وصلى الله وسلم على من دعا لأهل الوعي ومدح من فقه في دين الله فانتفع بعلمه الخلق والناس ..
وبعد،
فإن الفهم والفقه عن الله ورسوله من أعظم النعم التي يتميز بها؛ ليس العامي عن العالم وحسب، بل والعالم المحقق عن العالم العاميّ، حتى قيل: (جهلة الأصول من العلماء هم عوام العلماء) ، فكم من حافظ للمتون والنصوص لا يعدو كونه نسخة مطبوعة مكررة من تلك المتون، أو مثل جهاز الحاسوب يعيد ويكرر لك ويستحضر ما لقنته إياه، أما الإبداع والفقه والتصنيف وصناعة العلوم فتلك قضية أخرى بعيدة كل البعد عن مجرد الحفظ والسرد والترداد ..
وإذا كان العلماء قد ذمّوا الظاهرية الجلدة التي تبتعد عن روح النصوص، ولا تتنبه إلى مقاصدها أو تراعي عللها وحكمها، فتضعف بذلك ضياءها وإشعاعها وتضيق وجوه الدلالة وتحجرها على حروفها ..
فقد ذموا كذلك من توسع وتعسف في تحميل النصوص من الدلالات ما لا تحتمله ..
والسجون مكان يعكف فيه السجناء على القراءة، وينهلون منها أكثر مما ينالونه من ذلك في خارجها، وهذا خير، لكن الأعظم من ذلك والأحسن هو الفقه والفهم لما يقرأ، وتعلم مفاتيح العلم وأصوله وقواعده التي تيسر الفهم وتمكن من الفقه والوعي .. وهذا قليل في تلك الأماكن المغلقة إلا أن