أقول: فكيف بما هو أخطر من تحديد المسافة، وهو تشريع القصر مع الحضر بحجّة تلكم العلّة العليلة؟!.
ممّا مضى يتّضح جليّا أنّ مناط قصر الكميّة هو السفر، وهذا الّذي عليه أقوال العلماء قاطبة فيما أعلم، وعليه مدار عمل السلف، وهو الّذي دلّت عليه النصوص الصّحيحة، وهذا هو الموضّح في كلام ربّنا _ في قول لأئمّتنا _"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ"، أي إذا سافرتم في البلاد.
فلا يشرع قصر الكمّية إلاّ بالضرب في الأرض أي السفر [1] ، حتّى أنّه لا يشرع القصر بمجرد النية للسفر.
و قد إختلف العلماء في مسافة القصر بناء على الآثار الثابتة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والصحيح _ والله أعلم _ أنّ مرجع ذلك إلى ما أطلقه ربّنا، وذلك في قوله تعالى:"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ"، فكلّ ما سمّي سفرا، فهو السّفر الّذي يشرع معه القصر وباقي الأحكام المختصة بالمسافر، ولهذا بوّب البخاري في صحيحه: باب يقصر إذا خرج من موضعه - أي من بلده -، وروى معلّقا عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قصّر وهو يرى البيوت، فلمّا رجع، قيل له: هذه الكوفة، قال: لا، حتّى يدخلها.
(1) - هذا هو الذي عليه جمهور الأئمّة، وذهب البعض أنّ من مناطات القصر الخوف عند لقاء العدوّ، و بعضهم قيّده بشدّة الخوف، لما رواه مسلم في صحيحه عن إبن عباس رضي الله عنهما، قال: فرض الله الصّلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعا، و في السّفر ركعتين، و في الخوف ركعة.
و الرّاجح _ و الله أعلم _ ما عليه الجمهور لما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه و سلم من هيئات لصلاة الخوف، فلم تكن هيئة واحدة و هي المداوة على الركعة الواحدة، قال الخطابي: صلاّها النبيّ صلّى الله عليه و سلم في أيّام مخلفة بأشكال متبانية يتحرّى فيها ما هو الأحوط للصّلاة، و الأبلغ للحراسة، فهي على إختلاف صورها متفقة المعنى. إهـ