بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله الله رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ثمَّ أمَّا بعد؛
••حكمة السجن
يعتبر السجن إحدى أهم العقبات التي تكبِّل الإنسان المؤمن وتثبِّطه عن أداء واجباته، ولو أنَّ كل المجاهدين أرعبهم السجن لما رأينا أحدًا في ساحات الدعوة والجهاد، وحتى أولئك الذين سُجنوا فلحكمةٍ ربانية بالغة، ولو كنَّا نعلم الغيب لما مسَّنا السوء أبدًا، ولكن هناك أمور نحسبها شرًا وهي مليئة بالخير، والعكس صحيح، والله أعلم بما يصيبنا وهو سبحانه يقدِّر لعباده الصالحين ما يرفع درجاتهم عنده ويدفع عنهم غضبه.
هكذا ينبغي أن نتعامل مع الابتلاء سواء كان نقصًا من الأموال أو سجنًا أو مطاردة أو غير ذلك، هذا وينبغي أن نعلم أنَّ السجن يكون رحمةً لكثير من عباده؛ فهم من الناحية الشرعية يكونون أقل تكليفًا ممن هم خارج السجن، كما أنَّ الله يختارهم ليبعدهم عن فتن وشرور أكبر كانت ستصيبهم لو أنَّهم بقوا خارج السجن، وقد يكون السجن مرحلة للتربية واستكمال التكوين لدى الأسير، وأنَّ الله تعالى يعدُّه لأحداث عظيمة ومسؤوليات ثقيلة لم يكن باستطاعته تحمُّلها قبل مرحلة السجن أو إذا بقي طليقًا.
وهناك حِكَمٌ وأسبابٌ كثيرة لا نعلمها، كلها تؤيِّد وتؤكِّد أنَّ السجن لا ينبغي أن يكون سببًا لتقاعسنا وقعودنا عن أداء ما فرض الله علينا من دعوة وجهاد.
اعلموا -حفظكم الله- أنَّ الله قد اختاركم واصطفاكم من دون الناس جميعًا لتكونوا شهداء أحياء، تضربون المثل الأعلى في التضحية والفداء بحرِّيَّتكم ومفارقة أهليكم وأموالكم وتجارتكم ومساكنكم؛ لتعلنوا على الملأ أنَّ ما عند الله خير وأبقى، وأنَّ عقيدتكم أغلى من كل هذا، وتصرخوا في وجوه جلاديكم: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33] ، فأعداء الله يريدونكم أن تبيعوا دينكم بعرض من الدنيا قليل وأن تركنوا إليهم وتدخلوا في دينهم وترضوا بالذل والهوان، والله تعالى يريدكم عبيدًا له وحده، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله وحده وتنشرون دينه في الأرض.
فطوبى لكم هذا الاصطفاء، وقد وفَّقكم الله تعالى أن تثبتوا على دينكم ولم تتركوا للشيطان ثغرة ليدخل منها إلى قلوبكم فيثبطكم وينسف ثقتكم بربِّكم.