الصفحة 29 من 32

يعتقد الكثير من المسلمين بل وحتى العاملين والدعاة العاملين أنَّ ابتلاء الأسر يعتبر نهاية للعمل الدعوي والجهادي بالنسبة للفرد، وأنَه -أي السجن- هي آخر المراحل والأشواط لحياة مليئة بالعطاء والتضحية، وليس بعد الخروج من السجن إلا القعود أو التوقف عن العمل بصفة نهائية، أو ربما -وهذا هو الخطر- تغيير المسار وسلك طريق مغاير ومعاكس للطريق الذي أدَّى إلى السجن، ويكون هذا بالتصالح مع الواقع والانغماس في المجتمع القائم والرضا بما رضي به عامة الناس، وقضاء ما تبقَّى من العمر في البحث عن تحسين الحياة المعيشية المادية وتعويض ما فات من حظوظ الدنيا والاستمتاع بملذاتها في انتظار الأجل المحتوم.

وقد يكتفي البعض من هؤلاء الخارجين بممارسة بعض الأعمال الدعوية حفاظًا على نصابهم الإيماني وخوفًا من الرجوع إلى الكفر بعد أن خرجوا منه، فيكون هناك بعض الأنشطة التي لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي سطَّرتها الأنظمة المرتدة لكل من يريد ممارسة دينه كهواية ليس إلا وليس كمنهج حياة كما يأمر ربُّنا جلَّ وعلا: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162] .

فلا بدَّ بعد مرحلة الأسر من الحرص على تنمية ذخيرتك الإيمانية ومواصلة ما بدأته من قبل مع إخوانك وفي ظل شرع ربك، فالطريق ما زال طويلًا، والفتنة ما زالت تحيط بك من حولك، ولا خلاص منها إلا بالاعتصام بكتاب ربِّك وسنة نبيك، والحرص على إخوانك فهم رأس مالك وسندك ومعينك بعد الله عزَّ وجلَّ في هذه الطريق الموحشة الطويلة، واحرص أخي الحبيب على الالتزام بهذه النصائح -هدانا الله وإيَّاك وثبَّتنا على أمره-:

-أولًا: أن يزداد الإخوة المفرج عنهم حرصًا وحبًّا لله ولدينه ولأوليائه وكرهًا وبغضًا لأعدائه ولقوانينهم المناقضة لدين الله، لأنَّهم ما خرجوا وما ضحَّوْا وما حُرموا وما أوذوا إلا بسبب ثباتهم على دينهم، وما دام أنَّ أسباب هذا العداء ما زالت قائمة فإنَّه لا بدَّ أن يقابلها نفس البغض ونفس الإصرار على مواصلة الطريق إلى الله وليس العكس.

وعليه فإنَّ إمكانية واحتمال العودة إلى السجن أو المطاردة قائمة في كل لحظة، وعلى المؤمن أن يضع ذلك نصب عينيه ويكون مستعدًا لتحمُّل تبعات ذلك بنفسٍ راضية وإيمان لا يفتر ويقين في ربِّه لا يتزعزع.

-ثانيًا: أن يعتبروا ويعتقدوا اعتقادًا جازمًا ويقينًا راسخًا أنَّ خروجهم من السجن إنَّما هو بقدر الله تعالى وحده، وليس بسبب كرم أو إرادة الطواغيت، فهؤلاء ليسوا سوى أداة وسبب من الأسباب التي يحقِّق الله بها قَدَرَه في هذه الحياة، كما أنَّه ليس بمقدورهم إيقاف هذا القدر الإلهي، وما دام الأمر كذلك فإنَّه من الواجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت