فكما يختار الله من عباده المجاهدين شهداء في ساحات القتال ليكونوا الصفوة التي تسقي هذا الدين بدمائها الزكيَّة، فإنَّه سبحانه اختاركم لتكونوا شهداء أحياء تروون هذا الدين بصبركم وتضحياتكم وثباتكم على دينكم رغم الترغيب والترهيب والتعذيب الذي تعرَّضتم له في سجون الطواغيت.
لقد كانت الفترة التي قضيتموها في سجنكم عبارة عن مرحلة إعداد، فلم تضيِّعوا أوقاتكم فيما لا يفيد، أقبلتم على كتاب الله وحفظتم منه ما استطعتم، ومن كان حافظًا فقد كانت فرصة لمراجعته وتفسيره وتدبره، وأقبلتم على كتب التفسير وكتب الفقه والحديث والسياسة الشرعية التي توفرت بين أيديكم في السجن، فكل دقيقة مرَّت عليكم إلا وقد أحسنتم استغلالها في التحصيل والمراجعة والتذكير.
كما ينبغي أن يتيقَّن إخواننا الأسرى أنَّ فكاكهم من الأسر كانت من غايات إخوانهم المجاهدين في كل مكان، فجزء كبير من جهادهم وجهودهم كانت منصبَّة في هذا الاتجاه، فالحمد لله الذي أنجز وعده لعباده ونسأله سبحانه أن يجعل لبقية إخواننا في الأسر فرجًا ومخرجًا حينما يعلم سبحانه أنَّ هؤلاء الإخوة قد أخذوا من التربية والتكوين في مدرسة السجن ما فيه الكفاية لكي يكونوا أهلًا لحمل ثقل أمانة الدعوة والجهاد.
اعلموا أيُّها الأحبَّة أنَّ الله كان يُعِدُّكُم لما هو آت، وقد رأيتم إخوانكم الذين سبقوكم في الأسر، فمنهم من فتح الله عليه وعاد ليواصل معركته مع الباطل وأهله، بل منهم من صار من القادة والموجِّهين في ساحات الجهاد، وهذا بفضل الله وحده ثم بفضل تلك التربية الإيمانية التي اكتسبها في السجون، وتلك التجربة الطويلة التي صقلته وأصبح جبلًا شامخًا غير قابل للمساومة، ومؤتمن على دينه لا يؤتى الإسلام من قبله.
فالسجن مدرسة للرجال، بل لقادة الجهاد إن شاء الله، فكونوا خير خلف لخير سلف، واعلموا أنَّ الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة وأنَّ ساحات الجهاد تستهلك الرجال بالقتل والشهادة، فلتكونوا الصنف الذي يعدُّه الله لأمور عظيمة قادمة، وليكن نبي الله يوسف عليه السلام قدوتكم في هذا المجال.
فيوسف عليه السلام صبر وثبت على محن السجن وخرج ليكون قائدًا وإمامًا في الحقِّ، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمنون الموحدون من بعده، خروج من السجن لمواصلة الدعوة والإعداد والجهاد، وقيادة الأمَّة نحو تطبيق شريعة ربِّهم، وليس هناك غايات أخرى أقل من هذه الغاية السامية.
فالسجن يعتبر من أهم الوسائل التي يستعملها الأعداء للصدِّ عن سبيل الله ومنع المؤمنين من أداء واجباتهم، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] . وهي سنة جارية ستظل قائمة حتى تقوم الساعة وإلى أن ينتهي