الصفحة 28 من 32

بل الآلاف من أبناء الأمَّة، لا تعرفونهم ولم تحسبوا لهم حسابًا، يبعثهم الله تعالى من حيث لا تدرون، فيكونوا حماةً لهذا الدين ودعاةً إلى عقيدة التوحيد والجهاد {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر 31] .

إن تعودوا إلى تهجيرنا من أراضينا وأهلينا من أجل قطع صِلاتنا بساحة العمل والجهاد، فإنَّنا سنعود إلى مواصلة مهمتنا في مواطن بعيدة عن ظلمكم، وسَيُسخِّر الله لنا أقوامًا وظروفًا تساعدنا على مواصلة الطريق، ومواصلة الإعداد، ثم سيسهِّل الله لنا سبلًا ووسائل نتواصل بها مع إخواننا داخل أوطاننا، وكل بلاد الإسلام وطننا، وكل المسلمين الموحِّدين إخواننا، لا نؤمن بحدود ولا نعترف بجنسية أو وطن إلا جنسية العقيدة ووطن الإسلام.

فأينما حللنا فثمَّ وطننا، وثمَّ إخواننا، نبني معهم صروح التوحيد ونُشيِّد معهم بنيان الجهاد ليعيد للأمَّة مجدها التليد، ونهدم معًا صروح الباطل والطغيان، ونقول لإخواننا في كلِّ مكان: الهدم الهدم، والدم الدم، نحن منكم وأنتم منَّا، نسالم من سالمتم ونحارب من حاربتم، لا نؤمن بالحدود المصطنعة ولا بالحواجز المنيعة ولا بالشارات الجاهلية، وجهتنا واحدة نصرة دين الله تعالى، وجنسيتنا واحدة: {إِنَّ هَذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونْ} [الأنبياء:92] .

وأصل الآن إلى صُلب موضوع هذه المقالة وهو ما يتعلَّق بالحالة التي ينبغي أن يكون عليها الإخوة الموحِّدون بعد انتهاء المحنة، سواء الأسر أو الاعتقال أو الحصار أو المطاردة أو ما شابه ذلك، وأودُّ أن أتقدَّم بمجموعة نصائح لهؤلاء الإخوة حتى لا تنسيهم نشوة العودة وفرحة اعتناق الأهل أو الوظيفة أو التجارة ما خرجوا من أجله أصلًا، وهو الحفاظ على دينهم وتضحيتهم بكل ما يملكون في سبيل الفوز برضا الله ورسوله والجهاد في سبيل الله كما يأمر بذلك سبحانه وتعالى في قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آباَؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيَرتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنَ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينْ} [التوبة:24] .

جاء في تفسير السعدي تعقيبًا على هذه الآيات قوله:"وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله."

وعلامة ذلك، أنَّه إذا عُرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا لله ورسوله، أو ينقصه، فإنَّه إن قدَّم ما تهواه نفسه، على ما يحبه الله، دلَّ ذلك على أنَّه ظالم، تارك لما يجب عليه" [تفسير العلامة عبد الرحمن السعدي] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت