الصفحة 29 من 85

كان والده وأخوه ممن استجابوا لدعاة الإسماعيلية، ولكن ابن سينا لم يقبل هذا المذهب، بل رفضه كما في قوله:"وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي". وهي طائفة من المسلمين الشيعة ترتكز أفكارها على نمط من الأفلاطونية الجديدة. ورغم أن ابن سينا لم يتبع أبدًا معتقدات والده، إلا أنه استفاد جدًا من حقيقة أن الكثير من العارفين حينها كانوا يجتمعون في البيت عند أبيه للحديث والمناظرة.

استظهر القرآن وألمّ بعلم النحو وهو في العاشرة من عمره، رغب ابن سينا في دراسة الطبّ، فعكف على قراءة الكتب الطبية، وبرز في هذا العلم في مدة قصيرة، وهذا ما أكّده بقوله:"وعلمُ الطبِّ ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقلّ مدة". وكان عمره في ذلك الوقت ست عشرة سنة، ودرس على يد ابن سهل المسيمي وأبي المنصور الحسن بن نوح القمري.

ومما كان له أبلغ الأثر في تطوره الفكري تمكنه من الإطلاع على موجودات المكتبة الغنية في قصر السمنديين، وهم أول عائلة حاكمة كبيرة من أصول محلية ظهرت في فارس بعد الفتح العربي لها. وقد سمح لابن سينا بدخول تلك المكتبة العظيمة بعد نجاحه في علاج الأمير نوح بن منصور السمندي من مرض عجز كل أطباء عصره المشهورين عن علاجه.

حتى إذا بلغ العشرين من عمره توفي والده، فرحل أبو علي الحسين بن سينا إلى جرجان، وأقام بها مدة، وألف كتابه"القانون في الطب"، ولكنه ما لبث أن رحل إلى"همدان"فحقق شهرة كبيرة، وصار وزيرا للأمير"شمس الدين البويهي"، إلا أنه لم يطل به المقام بها. ففي عام 1022 توفي شمس الدولة ليجد ابن سينا نفسه وسط محيط غير مريح. وتسبب موت راعيه في مرحلة من المصاعب بلغت ذروتها بسجنه. ولحسن حظه، استطاع ابن سينا أن يهرب إلى أصفهان، 250 ميلًا جنوب طهران، مصحوبًا برهط صغير من أعوانه وقرر أن يستقر فيها. وفعلًا قضى في أصفهان 14 عامًا في طمأنينة نسبية. وفيها أنهى كتابه"القانون في الطب"كما أنهى أيضًا كتابه الشهير الآخر"كتاب الشفاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت