أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل على محمد بمكة وإني لجارية ألعب: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده )) .
ويبين ذلك أيضًا قول الله جل وعلا: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [سورة النساء:77] ، أي قيل لهم في مرحلة من المراحل الأولى للدعوة كفوا أيديكم عن القتال ولو كان لمجرد الدفع؛ فماتت سمية تحت التعذيب، ومات ياسر تحته، وفي المسلمين رجال أشداء ذوو نجدة وبأس لكن لمَّا يؤذن لهم بالدفاع في ذلك الوقت.
ويستشهد هنا أيضًا بحديث معاذ في بعثه إلى اليمن: (( إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوا بذلك فأخبرهم .. ) )الحديث المتفق عليه.
ووجه الشاهد منه واضح وهو التدرج في خطاب المدعوين والانتقال بهم بيسر وهدوء من حال إلى الحال التي فوقها، فلو أنهم أخذوا بالأمر كله مرة واحدة كان ذلك سببًا في صدهم.
ومنها قاعدة عدم الافتيات في أمور يدفع الجميع ثمنها ولسان حالهم قول القائل:
جررت على راج الهوادة منهم وقد تلحق المولى العنود الجرائر
ويجب التنبه إلى أن الخلاف على ترتيب الأولويات قد يؤدي إلى كوارث غير محسوبة كما حصل يوم الجمل، وما تبع ذلك يوم صفين، وما نشأ عن ذلك من أمور ألقت فيها الفتن بظلالها وقد ظلت الأمة تدفع ثمنها إلى اليوم كظهور فكر الخوارج حينئذ، ومن تلك المآسي قتل الحسين وما نشأ عنه، وولاية الحجاج وما نشأ عنها، وهذا كله لمجرد التمثيل وإلا فالوقائع العظام هنا لا تحصى، هذا الأمر كان خلافًا على ترتيب الأولويات، فقد كانت عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم يرون أن أول ما يجب فعله هو أن يقتص من قتلة عثمان فيما كان علي يرى أن أول ما يجب فعله إخماد الفتنة ثم بعد ذلك القصاص، فلا معنى لإقامة حد والناس في هرج ومرج والدولة في تفرق وتشرذم وأركانها تتهاوى.
ومما يعين على ذلك أيضًا:
(1) تعويد الناس خصوصًا المهتمين منهم بالدعوة على أن يكون المرجع عند الاختلاف هو الاعتصام بالكتاب والسنة، وألا يترك ما ثبت من الدليل لقول أحد كائن من كان، ولكن ذلك يتم بحكمة وتريث.
(2) البعد عن الافتراق المذموم: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) ، فالمطلوب أمران: التزام بما صح، وبعد عن التفرق، ولا يكون ذلك إلا بوضع مناهج تؤدي في النهاية إلى هذا الغرض، فلا يكفي مجرد التلقين.
(3) بدء التعاون فيما تم الاتفاق عليه، وإرجاء ما بقي معلقًا إلى مؤتمرات أخرى.