نرى أنه مما يعين على تجاوز هذه المحنة أمور:
الأول: إعداد ميثاق للعمل يشارك فيه جميع العاملين للإسلام من أهل القبلة وينص في هذا الميثاق على أمور:
الأول: ترتيب الأولويات، ويستعان في هذا بالكتاب والثابت من السنة، وبقواعد الفقه فإن فيها ما يفيد في هذا إذا هُذِّبت هذه القواعد ونُقِّحت وركز على ما يلامس الواقع منها دون غيره، ومن هذه القواعد على سبيل المثال لا الحصر: درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ومن مستندات هذه القاعدة تحريم الخمر والميسر مع التصريح بأن فيهما منافع قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) [سورة البقرة:219] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) ) [1] .
فقد قيَّّّّد الإتيان في المأمور به بالاستطاعة وأطلق في جانب المنهي عنه، ولم يقيد مع أن المرء غير مكلف باجتناب ما لا قدرة له على اجتنابه في الجملة، فلم يبق للتقييد بالاستطاعة في جانب المأمورات والإطلاق عن التقييد بها في جانب المنهيات ــ نقول ــ لم يبق لهذا فائدة غير بيان أن جانب المنهيات أعظم من جانب المأمورات إذا تعارضا.
ومنها قاعدة التدرج في الأمور ــ وهي تحتاج إلى تهذيب وتنقيح ــ ويستشهد لها بواقع حال النبي صلى الله عليه وسلم، فقد مكث زمانًا يدعوا إلى التوحيد، ثم انضاف إلى التوحيد الصلاة وبعض العبادة .. وظل التغيير في تدرج إلى أن وصل الأمر بالمجتمع إلى القمة في الالتزام بالدين، بل إن كل أمر جاء الشرع بتحريمه وكان أهل الجاهلية شديدي التمسك به لم يحرم إلا بالتدريج، وذلك كالخمر والربا، تقول عائشة رضي الله عنها في حديث البخاري: (( إنما نزل أول ما نزل منه ــ يعني القرآن ــ سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر
(1) متفق عليه.