الصفحة 3 من 14

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتى ويحضره فتواه بعض الناس دون بعض، وكان يقضي ويحضر قضاءه بعضهم دون بعض، وكان ربما أمر بأمر أو نهى عن أمر في غير حالي الفتوى والقضاء، ويحضر ذلك بعضهم دون بعض، فلا يعقل أن يحيط أحدهم بكل ما صدر منه صلى الله عليه وسلم.

وكانوا مدركين لهذه الحقيقة أعني حقيقة عدم الإحاطة.

ولهذا لما ولي أبو بكر الخلافة كان إذا نزلت به النازلة ليس عنده فيها نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل من حضر عنده من الصحابة فإن وجد عندهم نصًا قضى به، وإلا اجتهد في الحكم فيها، وقد ظلوا على هذا الحال طيلة خلافة أبي بكر، لا يكادون يختلفون اختلافًا في نازلة إلا رجع بعضهم إلى رأي الآخر، فانعقد إجماعهم أو كاد، هذا باستثناء النزر اليسير من المسائل التي ظل الخلاف فيها قائمًا.

نقطة تحول كبرى:

وهي أنه لما مات أبو بكر وولي عمر بعده فتحت الأمصار وتفرق الصحابة في الأقطار، واستقر المقام بكل مجموعة منهم في مصر من الأمصار، وكانت تنزل النازلة بأهل مكة أو أهل المدينة أو أهل اليمن أو أهل العراق أو أهل الشام أو أهل مصر فيفتي فيها من نزلت بهم من الصحابة بما يحصل عندهم فيها، وربما كانت هذه الفتوى مستندة إلى عموم أو اجتهاد سائغ، لولا كون المسألة قد ورد فيها نص يخصها غاب عمن أفتى هذه الفتوى، فقد حضر المدني ما لم يحضر المصري وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وقد ظل الحال على هذا بعد انقراض عصر الصحابة فترة من الزمن، فقد كانت كل طائفة من التابعين يفتون بما استقر عند من أدركوا من الصحابة، ومن هنا طغت آراء ابن عمر على فتاوى من بالمدينة من التابعين، لأنها كانت محل إقامته، وقد كان من أطول (المكثرين) لبثًا فيها، وكذا الحال بالنسبة لأهل مكة مع ابن عباس وبالنسبة لأهل الكوفة مع ابن مسعود .. وهلم جرَّا ..

فلم يكن أهل مصر يخرجون عن فتوى من رووا عنه إلا نادرًا، وظل الحال على هذا عند ظهور من بعد التابعين كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وسوار بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فقد جرى هؤلاء الأئمة على نفس طريقة من سبقوهم، فقد سلك كل واحد منهم مسلك من أخذ عنهم من التابعين وتابعي التابعين من أهل بلده .. إلخ.

تلكم كانت نبذة سريعة عن ظروف نشأة الخلاف وملابسات حصوله أول ما نشأ، وبعدها سننتقل إلى أسباب حصول الخلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت