بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه الكريم
سيكون الكلام تحت هذا العنوان في مقدمة وفصلين وخاتمة، أما المقدمة فهي في تعريف الخلاف وظروف نشأته، وأما الفصلان فالأول منهما في ذكر أسباب خلاف الفقهاء، والثاني في ذكر أسباب خلاف العاملين للإسلام الآن، وأما الخاتمة فتوصيات.
الاختلاف لغة مصدر اختلف، والاختلاف نقيض الاتفاق، ويستعمل عند الفقهاء بمعناه اللفظي، وكذا الخلاف.
الفرق بين الخلاف والاختلاف:
للعلماء طريقتان في استعمال هذا الاصطلاح، فمنهم من يرى أنهما لفظان مترادفان يستعمل كل واحد منهما في الدلالة على نقيض الاتفاق سواء أنشأ ذلك عن دليل أم نشأ عن غير دليل، ومنهم من خص لفظ"الاختلاف"بما كان ناشئًا عن دليل، ولفظ"الخلاف"بما كان ناشئًا عن غير دليل [1] .
ولا شك أن هذا في مجرد الاصطلاح، أما أصل اللغة فلا يوجد فيه ما يشهد لهذا المنحى قطعًا.
ظروف نشأة الخلاف:
قبل الشروع في ذكر أسباب الخلاف لا بد أن نطل إطلالًا سريعًا على ظروف وملابسات نشأة هذا الخلاف، وإن اشتمل هذا الإطلال على ذكر بعض أسبابه فإن ذلك لمجرد التمثيل ليس إلا، لأننا سنتناول هذه الأسباب مرتبة، وذلك بحسب ما يسمح به الوقت ويتناسب مع المقام.
إن من نظر إلى ظروف نشأة هذا الخلاف في مسائل الفقه وجد أنه كان يحصل في مرات كثيرة، لكنه سرعان ما كان يزول ويرجع أحد أطرافه إلى رأي الطرف الآخر لتبيُّن أن قوله هو القول الحق، وذلك إما لكونه عارفًا بهذا الدليل ولكنه كان غائبًا عن ذهنه، وإما لكونه غير عارف به أصلًا ولم يطلع عليه، ومن أمثلة الأول ما وقع لعمر، فقد نهى على المنبر ألا تزاد مهور النساء عن عدد ذكره ميلًا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد عليه في مهور نسائه فقامت امرأة من جانب المسجد وذكَّرت عمر بقول تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [سورة النساء:20] ، فترك عمر قوله: وقال كل أحد أعلم منك حتى النساء، وفي رواية أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
وقد كان يعلم الآية ولكنه نسيها.
وقد يذكر العالم المجتهد الآية أو السنة، ولكنه يتأول فيهما تأويلًا من تخصيص أو نسخ أو معنى ما.
أما عن الحال الثاني فنقول: كم فات كبار الصحابة ــ وهم أئمة الدين وأعلام الهدى ــ من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أسباب ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ذوي معايش يطلبونها، وكانوا في ضنك من القوت شديد، فمن تاجر يغادي الأسواق ويماسيها طلبًا لقوته وقوت عياله وما يجهز به نفسه للغزوات الكثيرة، ومن منهمك في إصلاح نخله، وكانوا مع كل ما هم فيه من شدة وضيق حريصين كل الحرص على ألا يضيع أحد منهم فرصة في الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم والاستفادة منه، إذا وجد أدنى فراغ مما هو فيه. وكان بعضهم أوفر حظًا في هذا الجلوس من بعض، وذلك لقلة مشاغله لكونه لا زوجة له ولا أولاد فكان أكثر سماعًا من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء أبو هريرة فقد قال إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة ولولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثًا ثم يتلو: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [سورة البقرة:159 ــ 160] ، إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفْق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطنه ويحفظ ما لا يحفظون [1] .
(1) الموسوعة الكويتية (خلاف) .
(1) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.