فهرس الكتاب
يحب المقسطين) [1] وجعل الله مصير هؤلاء الذين يقتلون العادلين إلى النار والعذاب الأليم فقال تعالى: ( .. ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم) [2] وامر ان يكون الوفاء في الكيل والوزن في الماديات والمعنويات بالقسط والعدل فقال تعالى: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) [3] وقال تعالى: (وزنوا بالقسطاس المستقيم) [4] .
ومن الناحية العملية شهدت السيرة النبوية العطرة وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس جميعًا أروع الأمثلة في العدل والقسط، وكذلك سيرة خلفائه الراشدين.
من واقعية الإسلام اعترافة بالاختلاف في العقائد والأفكار والألوان والأطياف، على الرغم من انه ينشد وحدة الأمة ويريد لهم الخير كله، حيث يقول القرآن: (كان الناس أمة واحدة) أي بعد ذلك اختلفوا (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ... ) [5] وبعد أن ذكر الله تعالى اليهود والنصارى واختلافهم قال: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات .... ) [6] .
وقد أكد القرآن الكريم أن الاختلاف أحد المقاصد المعتبرة للابتلاء، فقال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم) [7] .
وهذه الآيات الكثيرة ومثلها من الأحاديث النبوية تهيئ نفوس المسلمين لقبول الآخرين المختلفين معهم عقديًا وفكريًا وأصوليًا وفرعيًا، والتعايش معهم بأمن وأمان، وهذا ما حدث طوال التأريخ الإسلامي، حيث عاش غير المسلمين في أكتاف الدولة الإسلامية القوية، وهم يتمتعون بكامل حقوقهم بل تقلدوا مناصب رفيعة في ظلها، ولم يحدث مثل ذلك في ظل الإمبراطوريات الدينية الأخرى مثل الدولة الرومانية التي كانت تضطهد اليهود، وغير النصارى، ثم لا ينسى التأريخ ما فعل الصليبيون بالمسلمين واليهود في الأندلس.
سابعًا: الحوار بدل الشجار وقوة المنطق بدل منطق القوة.
يركز القرآن الكريم على تعويد الأمة على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالحوار، والجدال بالتي هي احسن، دون القهر والاستبداد والصراع، حيث يقول القرآن الكريم: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) [8] .
ويؤكد القرآن الكريم مرة أخرى بالنهي عن الجدال مع أهل الكتاب إلاّ بالتي هي احسن فيقول: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن) [9] .
والقرآن الكريم بنفسه هو كتاب حوار، حيث استعرض مجموعة رائعة من الحوارات منها حوار الملائكة مع الله تعالى في استخلاف الإنسان، ومنها حوار الشيطان مع الله تعالى، ومنها حوار الأنبياء مع الله مثل حوار موسى، ومنها حوار الأنبياء مع أممهم وشعوبهم، ومنها حوارات أخرى مثل حوار صاحبي الجنة في سورة الكهف.
ثامنًا: الدفاع بدل الصراع هو الأصل في التعامل:
ولم يستعمل القرآن الكريم لفظ الصراع، وإنما استعمل لفظ الدفع والدفاع والمدافعة بدل الصراع [10] ، فقال تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور) [11] وقال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .. ) [12] وقال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد) [13] حيث تدل هذه الآيات على سنة التدافع، وانها من سنن الله تعالى حيث يدفع الظالمين ولكنها لا تدل على تأصيل فكرة الصراع في قلوب المسلمين بأن يتخذوا الصراع منهجًا في تعاملهم، كما هو الحال بالنسبة لسنة الخلاف والاختلاف فهي سنة، ومع ذلك لا ينبغي للمسلمين أن يتخذوه منهجًا لهم في التعامل.
وإنما الذي اكد عليه القرآن في كيفية التعامل مع المخالفين هو منهج الدفع بالتي هي أحسن فقال تعالى في سورة المؤمنون: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون) [14] وفي سورة فصلت: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقا الله إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم) [15] .
فقد دلت هذه الآيات أن الواجب على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقتدي به من الدعاة أن يقابل سيئة الكفرة والمنافقين والفسقة بالحسنة سواء كان في نطاق الأقوال حيث يقابل الأقوال حيث القول السيء بالقول الطيب، او في مجال الأعمال والتصرفات حيث يقابل ذلك بالأعمال الصالحة والتصرفات النافعة الطيبة فقال تعالى في وصف عباد الرحمن (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) فالمسلم ينبغي أن يكون كالشجرة المثمرة التي يرميها الرامي بالحجر فتقابله برمي ثمرة، وهذا هو الأسلوب الناجح في التعامل وهو الذي له ثمار طيبة حيث تتحول العداوة إلى المحبة، والإساءة إلى الإحسان، والقطيعة إلى التواصل والاخوة، وإن كان هذا الأسلوب ليس سهلًا إلاّ على الصابرين الذين أعطاهم الله حظًا عظيمًا من الصبر على الإيذاء، فيجزيهم الله تعالى بالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة.
تاسعًا: التعامل عبر موازين الشرع:
وأقصد بذلك أن الإسلام وضع موازين لكل الأمور، وأن هذه
(1) سورة الحجرات/ الآية (9)
(2) سورة آل عمران/ الآية (21)
(3) سورة الأنعام/ الآية (152)
(4) سورة آل عمران/ الآية (35)
(5) سورة البقرة / الآية (213)
(6) سورة المائدة/ الآية (48)
(7) سورة هود / الآية (118 - 119)
(8) سورة النحل/ الآية (125)
(9) سورة العنكبوت/ الآية (46)
(10) لم يرد في القرآن الكريم لفظ: صرع، ولا الصراع، ولا مشتقاته إلاّ لفظ: صرعى في سورة الحاقة الآية 7: (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية)
(11) سورة الحج/ الآية (38)
(12) سورة البقرة/ الآية (251)
(13) سورة الحج/ الآية (40)
(14) سورة المؤمنون / الآية (96)
(15) سورة فصلت / الآية (34 - 35)