الصفحة 13 من 19

وتدل هذه الآية بوضوح على أن الإسلام دين سلام وعقيدة، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وان يقيم فيه منهجه، وان يجمع الناس تحت لواء الله اخوة متعارفين متحابين، وهذا الرجاء من الله تعالى معناه القطع بتحققه، وهذا ما تحقق فعلًا حيث أسلمت قريش ومعظم القبائل المحيطة، وأن وقف الجميع تحت لواء واحد، وان طويت الثارات والمواجد.

رابعًا: تقديم الصلح على الحرب حتى ولو كان الصلح فيه بعض الغبْن:

وقد أطلق الله تعالى الخير على الصلح فقال: (والصلح خير) [1] وقال تعالى: ( ... أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ... ) [2] ولم يقل بين المؤمنين فقط، بل عمم الصلح والإصلاح بين الناس جميعًا، فذلك الخير والأنفع، وقال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا) [3] .

وقد بين الإسلام خطورة الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح فجعله من الكبائر المحرمات الموبقات، فقال تعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) [4] وقال تعالى في وصف الكفرة المجرمين: (الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) [5] .

والإصلاح هو رسالة الأنبياء فقال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [6] وقد جعل الله التوفيق حليف إرادة من يريد الإصلاح دائمًا فقال تعالى: (إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما) [7] .

وربط الله تعالى بين الهلاك والإفساد، وبين النجاة والإصلاح فقال تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) [8] .

وليس الصلح والإصلاح في الإسلام مجرد شعار، وإنما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة حيث حينما جاء للعمرة ومعه عدد كبير من صحبه الكرام منعهم قريش على الرغم من ان كل الدلائل كانت تشير إلى أن الهدف الأساس هو أداء العمرة، ولذلك أتوا محرمين، وساقوا الهدي حتى وصلوا حديبية، حيث بركت ناقته القصواء .. ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلاّ أعطيتهم إياها) [9] ثم حاول الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة، ولكن قريش منعته، فأرسل رسله تترى لبيان موقفه لهم، حيث أرسل خراش بن أمية الخزاعي، فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش ثم أرسل عثمان بن عفان فأبلغهم رسالة

(1) سورة النساء/ الآية (128)

(2) سورة البقرة / الآية (224)

(3) سورة البقرة/ الآية (220)

(4) سورة البقرة/ الآية (205)

(5) سورة الشعراء/ الآية (152)

(6) سورة هود الآية (88)

(7) سورة النساء / الآية (35)

(8) سورة هود (117)

(9) رواه البخاري مع فتح الباري (5/ 329)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت