فهرس الكتاب
خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلاّ أعطيتهم إياها) [1] واعظم من ذلك سمى الله تعالى هذا الصلح بالفتح المبين، نزلت فيه سورة سميت بسورة الفتح.
وقد أكد القرآن الكريم على هذا المنهج في أكثر من آية فقال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) [2] .
حتى من الناحية الفقهية فإن جماهير الفقهاء (الحنفية، والمالكية في قول، والشافعية والحنابلة) [3] بوجوب الدعوة إلى الإسلام قبل بدء الحرب استدلالًا بقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) [4] وكان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ووصيته لصحبه الكرام عندما يرسلهم في مهمة حتى مع المشركين ( ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، أو خلال، فأيهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام .... ) [5] .
بل حسم ابن عباس (ترجمان القرآن وحبر الأمة) هذه المسالة بصيغة الحصر فقال: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط حتى يدعوهم إلى الإسلام) [6] .
وقد أجيب عن إغارة الرسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق بأنهم هم بدؤه بالقتال خلال إعدادهم القوة للإغارة على المدينة المنورة [7] كما أنهم قد بلغتهم الدعوة.
أولًا: الإنسانية:
اعترف الإسلام بكرامة الإنسان باعتباره إنسانًا مع قطع النظر عن فكره وعقيدته، فقال تعالى: (ولقد كرمنا آدم) [8] .
كما جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وزوده بالإرادة والاختيار فقال تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) [9] وحينما تدخلت الملائكة لبيان الحكمة من ذلك أثبت لهم بان الإنسان اعلم منهم في مجال الاستخلاف والتعمير.
وقد أكرم الله تعالى الإنسان بالحرية في مجال العقيدة فقال تعالى: (لا إكراه في الدين) [10] وحرره من رق العبودية لغير الله، وسعى بكل ما في وسعه لإعتاق العبد ومنع المثلة والتعذيب وحتى الترويع وأعطى حرمة عظيمة لحرمات الإنسان وخصوصياته وحقوقه، وممتلكاته، وساوى بين جميع البشر إلاّ من خلال العمل الصالح فقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [11] .
وجعل المسؤولية شخصية فقال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى) [12] وقال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [13] .
والتحقيق ان الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والاخوة الإيمانية هي الأساس، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون، والدعوة، وتلك الدوائر هي:
أ ـ دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك يجيء الخطاب بـ: يا أيها الناس.
ب ـ دائرة القومية، حيث عبر القرآن ـ أحدهم صالح ـ.
ج ـ دائرة من هم أهل الكتاب (سورة مريم) .
د ـ وأخيرًا دائرة الباحثين عن الحق (وإنا أو إياكم)
ثانيًا: وحدة الأديان:
يُرجع الإسلام الأديان السماوية كلها إلى أصل واحد وهو الوحي الإلهي، وأن شرائع الله تعالى قد انبثقت من مشكاة نور واحد، ولذلك يدعو الإسلام أتباعه إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين، والكتب السماوية، والكتب المنزلة السابقة، فقال تعالى: (آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) [14] وقال تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) [15] .
ويبين الله تعالى بأنه شرع لهذه الأمة كل الشرائع الأساسية التي شرعها على بقية الأنبياء (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما أوحينا به إلى إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [16] .
وقد ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم فقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) [17] .
بل إن القرآن الكريم يدعو اتباعه إلى اتباع سنن المرسلين فقال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) [18] .
وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم جعل لفظ الإسلام اسمًا مشتركًا لجميع الأديان وعلى ألسنة أكثر الأنبياء فيقول في شأن إبراهيم: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) [19] وقال في شان يعقوب: (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم
(1) رواه البخاري مع فتح الباري (5/ 329)
(2) سورة الأنفال / الآية (61)
(3) يراجع: مجمع الأنهر (1/ 635) والشرح الكبير مع الدسوقي (2/ 176) وروضة الطالبين (10/ 239) والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (10/ 379)
(4) سورة الإسراء / الآية (15)
(5) صحيح مسلم، كتاب الجهاد (3/ 1357)
(6) مسند أحمد (1/ 231) والسنن الكبرى (9/ 107)
(7) يراجع: صحيح مسلم، كتاب الجهاد (3/ 1356) وسيرة ابن هشام (3/ 228)
(8) سورة الإسراء / الآية (70)
(9) سورة البقرة / الآية (30)
(10) سورة البقرة / الآية (256)
(11) سورة الأنعام / الآية (164)
(12) سورة النجم / الآية (39)
(13) سورة الأنعام / الآية (164)
(14) سورة البقرة / الآية 285)
(15) سورة البقرة / الآية (136)
(16) سورة الشورى / الآية (13)
(17) سورة الأنعام / الآية (159)
(18) سورة الأنعام/ الآية (90)
(19) سورة البقرة / الآية (131)