الصفحة 10 من 19

15 ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وانه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلاّ من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برّ واتقى [1] .

كما أكدت الوثيقة على الحرية الدينية بكل وضوح فنصت على أن للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وحتى حينما حاول بعض الأنصار أن يجبروا بعض أبناء عشيرتهم الذين تهودوا على العودة إلى الإسلام أنزل الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ) [2] حيث نصت إحدى مواد الصحيفة على ان: (لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وانفسهم إلاّ من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ إلاّ نفسه ... ) [3] كما اكدت الوثيقة على المسؤولية الشخصية تأكيدًا لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [4] .

غير أن اليهود لم يحافظا على هذه الوثيقة ومحتواها، ونقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابهم ما أصابهم بظلمهم ونقضهم العهود.

وأما القبائل (وعلى رأسها قريش) وأهل الأديان المحيطة بهذه الدولة فلم تقبل بوجود هذه الدولة، بل قاومتها بكل وسائل البطش والعدوان، وبذلت كل جهودها للقضاء عليها قضاءً مبرمًا، ولذلك لم تكن العلاقة فيما بينهم وبين الدولة الإسلامية علاقة ود وتعاون بل كانت علاقة تخاصم وحرب وعداء، ومع ذلك استطاع الإسلام أن يربي أتباعه على اتباع العدل والقسط، فكان من الطبيعي أن تدافع هذه الدولة العقدية عن نفسها، حيث نلاحظ هذه الروح الدفاعية في أول آية نزلت بخصوص تشريع الجهاد: (أذن للذين يقاتلون في بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) [5] .

ثم بينت الآية الثانية بأن مبررات الجهاد والقتال هو انهم ظلموا وأنهم أخرجوا من ديارهم، وبالتالي فهم يدافعون عن أنفسهم، وعن درء الظلم، والدفاع عن العقيدة وأماكن العبادة حتى لغير المسلمين فقال تعالى: (الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [6] .

ولذلك فالحرب في نظر الإسلام ضرورة لا يلجأ إليها إلاّ عندما تضيق السبل، وتنسد الطرق على الدعوة وقبول الإسلام، أو الاعتراف بدولته من خلال ما يسمى بالجزية التي هي مشاركة من غير المسلم في تحمل أعباء الأمن والمواطنة، كما يتحمل المسلمون اكثر من ذلك من الواجبات المالية من الزكاة ونحوها ولذلك لا يبدأ المسلمون بالحرب ضد غيرهم بل بعرض الدعوة عليهم أولًا، فإن قبلوها فبها ونعمت، وإلاّ فالجزية، أي المسالمة والصلح.

ويدل على هذه الروح في أسمى معانيها صلح حديبية حيث قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الشروط التي في ظاهرها إجحاف واعتساف، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا تدعوني قريش إلى

(1) يراجع نص الوثيقة في: الأستاذ محمد حميد الله في مجموعة الوثائق السياسية، ط. دار الإرشاد ببيروت 1389 هـ، ص 41 - 47، وأستاذنا الدكتور أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة، ط. مركز بحوث السنة والسيرة بقطر 1411 هـ ص 282 ـ 285 حيث خرج بنودها من المصادر المعتمدة

(2) سورة البقرة / الآية (256)

(3) المراجع السابقة

(4) سورة الأنعام / الآية (164)

(5) سورة الحج / الآية (39)

(6) سورة الحج / الآية (40)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت