و بحديث عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِـ [الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] [1] » [2] .
ووجه هذا النص: حيث إن عائشة - رضي الله عنها - بينت أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يفتتح الصلاة بالقراءة بعد التكبير، ولم تذكر أنه كان يستفتح الصلاة بدعاء الاستفتاح فدل على عدم مشروعيته.
نوقش:
أجاب ابن حزم رحمه الله على ذلك: بأن مراد عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان استفتاحه بالقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا لا يدخل فيه التوجيه؛ لأنه ليس التوجيه قراءة، وإنما هو ذكر [3] .
قال ابن الملقن: بأن الرواية في (القراءةَ) بالنصب عطفًا على مفعول يستفتح، وهو الصلاة، وفي الحمد ضم داله على الحكاية أي ويستفتح القراءة ب (الحمد لله رب العالمين) أي بسورة الحمد؛ فالمعنى أنه يسكت السكوت المذكور بعد التكبير، ثم يستفتح القراءة بذلك [4] .
ولما ورد من حديث أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ وَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا» [5] .
حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يأمره بدعاء الاستفتاح
نوقش:
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما علمه الواجبات والاستفتاح ليس منها فلا حجة فيه إذن [6] .
وأجاب الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - بجواب آخر حيث قال: يحتمل أن عدم ذكر الاستفتاح ربما يكون لئلا تكثر على الرجل الطلبات فيضيع بعضها بعضًا [7] .
وفي بعض طرق الحديث: ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بدعاء الاستفتاح [8] .
الترجيح:
القول الراجح فيما يظهر هو القول الأول، قول الجمهور، لقوة أدلتهم.
والحكمة من دعا ء الاستفتاح قال ابن الملقن: والحكمة فيه تمرين النفس على انشراحها لأفضل الأذكار وتدبرها، وهي الفاتحة وما شرع معها من القراءة [9] .
(1) سورة الفاتحة، آية رقم: 1.
(2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويتم به، حديث رقم: 498:1/ 357.
(3) انظر: المحلى بالآثار:3/ 14.
(4) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام:3/ 20.
(5) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، حديث رقم: 757، و 793، و 621، ومسلم، في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم: 397.
(6) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام:3/ 14.
(7) انظر: مذكرة شرح بلوغ المرام: ص 52.
(8) انظر: جزء حديث المسئ صلاته بتجميع طرقه وزياداته: ص 70.
(9) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام:3/ 12.