فلا بد إذن عند كتابة التاريخ الإسلامي من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها تجارب الإنسانية قبيل مولد الإسلام والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرية في الأرض وبخاصة من ناحية العقائد الدينية وسائر ما يتعلق بها من أفكار وفلسفات ونظريات. ومن ناحية الأوضاع الاجتماعية وما يتعلق بها من نظم الحكم وسياسة المال وعلاقات المجتمع والأخلاق والعادات والأفكار. كي تتبين على ضوئها حقيقة دور الإسلام وطبيعته. ويمكن تفسير استجابة العالم لهذا النظام الجديد قبولًا أو رفضًا وتصور أسباب الصراع وعوامل النصر والهزيمة كاملة، وعناصر التفاعل والتدافع والتلاقي والانعكاس على مر الأيام.
وإذا كان الإلمام بوضع العالم إذ ذاك ضروريًا فإن الإلمام بوضع الجزيرة العربية وتصور الحياة فيها من كافة نواحيها أكثر ضرورة بوصفها مهد الإسلام الأول من جهة، ومركز التجمع والانسياح من جهة أخرى.
فهل كانت مصادفة عابرة أن يظهر هذا الرسول بهذا الدين في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان؟ إن هنالك نظامًا مقدورًا أو قصدًا مقصودًا وتدبيرًا معينًا وترتيبًا موضوعيًا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت كي تؤدي دورًا معينًا ليس أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر وفي عالم الشعور على هذا الوضع الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد! ..
ولعل هذا الخاطر أن يسوق إلى دراسة"محمد الرسول"في هذا السياق الكوني للتاريخ. ولعل في شخصه وفي نسبه وفي بيئة