الصفحة 171 من 219

فبينما كانت القوانين في الدول القديمة - وما زالت في الدول الجماعية في الوقت الحاضر - تشتط في عقاب المجرم، لأنه وهو فرد ضائع لا كيان له، يعتدي على الكيان المقدس، كيان الجماعة؛ ويُتخذ ذلك ستارًا للتنكيل بكل فرد تحدثه نفسه بالخروج على السادة ذوي القداسة والسلطان ..

وبينما تبالغ الدول الغربية الرأسمالية في إباحة الحرية للفرد، على أساس أنه هو الكائن المقدس ولا قداسة للجماعة ولا كيان، وينشأ من ذلك تخفيف العقوبة على المجرم وتلمس الأعذار له .. نجد الإسلام يمسك الميزان من منتصفه، فلا يميل في جانب الفرد ولا جانب الجماعة، لأنه لا يراهما فردًا وجماعة منفصلين، ولا يعتبرهما معسكرين متقابلين تقوم بينهما العداوة والبغضاء، ويرغب كل منهما في تحطيم الآخر والقضاء عليه .. بل ينظر إلى الفرد والجماعة على أنهما كلٌّ متجاوب موحد الغاية متعاون في الأداء .. فإذا شذ فإنه يُقوَّمُ لكي يرد إلى السبيل؛ وسواء جاء الشذوذ من الفرد بمفرده أو جاء من الجماعة .. فكلاهما مخطئ وكلاهما ينبغي أن يرد إلى الصواب!

وهو إذ ينظر مرة بعين الجماعة، فيرى حقها في الطمأنينة على نفسها، والمحافظة على حقوقها، فيمنع العدوان عليها، ويعاقب المعتدين .. فإنه ينظر في ذات الوقت إلى الفرد، فيرى دوافعه إلى الجريمة، سواء كانت منبعثة من داخل النفس، من نزوة الغريزة، ودفعة الشهوات، أو من الظروف الخارجية، الاجتماعية والاقتصادية، فيقدر هذه الدوافع، وينظر إليها بعين الاعتبار ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت