فهرس الكتاب
ويعمل على إزالتها بكل طريقة ممكنة قبل أن يوقع العقوبة: بالتشريع الذي يكفل الضرورات مرة، والتشريع الذي يصون الحرمات مرة، والتربية التي تهذب النفس وتنظف مساربها، وتجعل روح الحب والتعاون والتكافل هي الروح السائدة في الجماعة .. أولًا وأخيرًا بالعقيدة التي تربط القلب بالله، وتوجهه لخشيته والعمل على رضاه .. فإذا عجز ولي الأمر عن إزالة الدوافع لأي سبب من الأسباب، أو ساورته في ذلك شبهة، فعند ذلك يدرأ الحدود بالشبهات!!
أي عدالة يمكن أن تبلغ هذه العدالة؟!
"روي أن غلمانًا لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم، فلما ولى رده. ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له، لقطعت أيديهم. ثم وجه القول لابن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وايمن والله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك! ثم قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة"!
فهذه حادثة واضحة الدلالة على أن"المجرم"لا يؤخذ بذنبه حتى ينظر الحاكم أولًا في دوافع الجريمة، فيزنها بميزان الحق والعدل، ويبحث عن المسئول الحقيقي فيها، فيوقع العقوبة عليه. وقد كان المسئول في هذا الحادث هو"السيد"الذي يمثل الملاك! بينما أعفى"المجرم"من العقاب، لأنه اعتبره واقعًا تحت ضغط