الصفحة 173 من 219

الضرورة التي تغلب الإنسان على نفسه وتدفعه إلى الانحراف. وهي كذلك تطبيق عملي لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: ادرءوا الحدود بالشبهات.

وإن الدول"الحرة"التي تعطف اليوم على المجرم، وتتلمس له المعاذير، وتخف عنه العقوبة أو ترفعها عنه - بعد أن كانت تشتد عليه وتقسو - هذه الدول تصنع ذلك بروح أخرى غير روح الإسلام! فعلم النفس التحليلي، وغيره من الدراسات النفسية والاجتماعية، يبرر الجريمة اليوم على أساس سلبية الإنسان إزاء الدوافع الداخلية أو الخارجية، وانعدام"الإرادة"التي تقوم عليها"المسئولية". ولكن الإسلام لا يهبط إلى هذا المستوى في نظرته إلى الإنسان. إنه لا يلغي كيانه الإيجابي الفاعل المريد. ولا يسقط عنه مسئوليته كإنسان. وإنما هو - مع ذلك - يعطف عليه في لحظة الضعف، ويدرأ عنه الحدود بالشبهات .. فهو في الواقع عطف مضاعف - بالنسبة للمستوى الرفيع الذي يطالب به الإنسان - وهو عطف أكرم ولا شك من ذلك الذي تمارسه الدول"الحرة"على كائن لا إرادة له في نظرها ولا كيان!

أما الدول الجماعية التي تكفل للناس حاجاتهم، وتجعل الدولة مسئولة عنها، وتغني الناس - فيما تقول - عن الجريمة، فإنها تأخذ ثمن ذلك دكتاتورية بشعة، وتحكمًا في كل صغيرة وكبيرة، واستعبادًا للدولة. بينما كان عمر - الذي طبق هذا المبدأ، مبدأ مسئولية الجماعة ومسئولية الدولة عن حاجة الأفراد [1] -

(1) مبدأ كفالة الدولة للأفراد ومسئوليتها عن جميع أمورهم مبدأ صريح في الإسلام، وقد كان عمر - رضي الله عنه - يقول: لو أن بغلة عثرت بصنعاء لكنت مسئولًا عنها لِمَ لَم أسوِّ لها الطريق! ويقول ابن حزم في صراحة إن (الجماعة) مسئولة عن كل فرد فيها، وإن للإنسان أن يقاتل من في يده طعامه أو شرابه (إذا منعه عنه) فإن قتل لأهله الدية، وإن قتل تدفع لا يقام عليه الحد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت