الصفحة 18 من 219

وهل جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - لينعزل في الوجدان، والدين الذي جاء به هو الدين الذي يأبى الانعزال في الوجدان؟!

إن أبرز سمة في هذا الدين أنه دين الظاهر والباطن على حد سواء. لا يرضى أن يكون الظاهر نظيفًا والباطن غير نظيف، فيصبح رئاء الناس. ولا يرضى أن يكون الباطن نظيفا ولا صدى له في الظاهر فيفقد مهمته ومعناه. إنه الدين الذي يجعل العمل عبادة .. ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الذي ظل حياته كلها يتعبد بالعمل .. العمل المثمر النافع الظاهر للعيان.

فكيف جاز بعد هذا كله أن يتحول في قلوب المسلمين إلى مثال منعزل، ولو كان أرفع مثال على الأرض وأنبل مثال؟!

ولقد كان إحساسي بالرسول الكريم دائمًا هو إحساسي بالواقع المجسم، لا بالخيال المحلق في الفضاء.

وكانت تهز وجداني هزًا عنيفا هذه الصورة المعروفة في كتب السيرة كلما قرأتها:"كان يمشي وكأنه يتقلع من الأرض ..."وترتسم في خيالي صورة رائعة، حية شاخصة، ممتلئة بالحيوية، متوفزة النشاط .. عظيمة في هذا كله عظمة لا تحد. وانظر إلى الصورة التي تجسمت في خيالي فأرى النور الرائق الصافي يشع من أعماق روحه - صلى الله عليه وسلم -، وينفذ إلى أعماق نفسي، ويغلبني الوجدان وأنا أنظر إلى هذه الروح الصافية العميقة الشفافة المشعة، ومع ذلك فلا تلبث صورته أن تتحرك .. وأراه - صلى الله عليه وسلم - يمشي وكأنه يتقلع من الأرض. أراه .. بمقدار ما تطيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت