وليس بأدل على ذلك من واقعة تحكيمه - صلى الله عليه وسلم - في رفع الحجر الأسود إلى مكانه من البيت، فقد تنازع القوم، ولم يرضوا أن ينفرد بهذا الشرف واحد منهم، فحكموا أول من يدخل، فكان هو - صلى الله عليه وسلم -، فرضوا به جميعًا، وقالوا هذا الأمين، رضينا رضينا، فكان هو الذي يرفعه، ويضعه في مكانه، مع وجود أشياخ قريش، وأكابرهم، ولولا منزلته وعلو مكانته، لما أقروا له بذلك.
ولما اشتهر بأخلاقه الشريفة بين قريش، وتكاملت فيه صفات الخير، وقارب نزول الوحي عليه، جعلت بعض الأحجار تسلم عليه، ويسمع صوتها، توطئة لنزول الوحي عليه، وجعل يرى الرؤيا الحق، ويقع تأويلًا أبين من فلق الصبح، ثم مع همته، وشرفه، وأخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، صار يخرج للجبال يتعبد وحده، تاركًا ما عليه الناس من عبادة الأوثان، وارتكاب الجرائم، والتلوث بأنواع الأخلاق الرذيلة.
ثبت في صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه - أي يتعبد - الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: