بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص به من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال
على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد والموصل لهم إلى سبيل الرشاد [1] .
وإن من أعظم السبل التي أرشد إليها القرآن للهداية والثبات عليها اختيار الصحبة، ولقد تأملت كتاب ربي جلَّ جلاله فوجدته عالج قضية الصحبة: أمرًا ونهيًا، وحثًّا وتحذيرًا، وقصصًا وأمثالًا، وجعل لها أنواعًا وألفاظًا متنوعة.
فإن أعظم ما يغير العبد من صلاح إلى فساد أو من فساد إلى صلاح هو الصحبة، بل إن الصحبة هي سبب في رفع العبد حتى يكون في درجة النبيين [2] والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، أو خفضه حتى يكون مع المنافقين والكافرين [3] والفاسقين، وبئس أولئك رفيقًا! ولذا أنزل الله جلَّ جلاله سورًا ثلاثة: «المؤمنون» ، و «المنافقون» ، و «الكافرون» .
وتأمل في أسمائها وفيها من التحذير من صحبة السوء والحثّ على الصحبة الصالحة ما يظهر لكل متأمل، بل أول القرآن ووسطه وآخره دَلَّ
(1) مدارج السالكين (1/ 30) .
(2) كما دعا موسى - عليه السلام - ربه أن يجعل أخاه نبيًّا، فاستجاب الله له.
(3) كما حصل لأبي طالب عند وفاته. انظر ص (40) .