وبالجملة فإنّه يتبيّن أنّ قوّة الذهن التي حدّدناها في الكتاب الذي قبل هذا إنّما تحصل بالوقوف على هذه الأصناف التي عدّدناها هاهنا.
(56) والمقاييس/ بالجملة هي أشياء ترتّب في الذهن ترتيبا ما متى رتّبت ذلك الترتيب أشرف [بها الذهن] لا محالة على شيء آخر قد كان يجهله من قبل فيعلمه الآن، ويحصل حينئذ للذهن انقياد لما أشرف عليه أنّه كما علمه.
وبيّن أنّ الأشياء التي ترتّب فيشرف بها الذهن على شيء كان يجهله قبل ذلك فيعلمه ليست [هي] ألفاظا ترتَّب، إذ كان ما يشرف به الذهن بهذا الترتيب هو ترتيب أشياء في الذهن، والألفاظ إنّما ترتّب على اللسان فقط.
وأيضا فإنّ الألفاظ لو أمكن أن ترتّب في النفس هذا الترتيب لكان الذي [إليه يتخطّى] الذهن عمّا رتّب هذا الترتيب فيعرفه هو أيضا لفظ ما لا معنى معقول، إذ كان ما يتخطّى إليه الذهن عن الذي رتّب هذا الترتيب له تعلّق بالأشياء التي رتّبت، وليس يجوز متى رتّبت ألفاظ وحدها بلا معنى يعتقد منها أن يتعلّق بها على التوالي واضطرار معنى معقول أصلا. وإذا كان ما يتخطّى إليه الذهن عن الأشياء التي رتّبت معاني معقولة، وكانت هذه ليس يمكن أن يتخطّى إليها بألفاظ [فقط] يسبق ترتيبها، فبالضرورة يلزم أن تكون الأشياء المرتّبة السابقة ليست ألفاظا .
وأيضا فإنّ الذهن لمّا كان إشرافه على [كلّ] شيء كان يجهله [من] قبل