فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضًا من الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ لأن الله سبحانه لما ركب الطباع من الحيوانات كلها، وقسم القدر بينها، جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان. فقدرة الفرس مثلًا أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا قدرة الحمار والثور وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته، ولما كان العدوان طبيعيًا من الحيوان جعل لكل واحد منها عضوًا يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره، وجعل للإنسان عوضًا من ذلك كله الفكر واليد، فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر، والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع: مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة، والتراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك مما ذكره جالينوس في كتاب منافع الأعضاء، فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة، فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة، ولا تفي قدرته أيضًا باستعمال الآلات المعدة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها، فلابد من ذلك كله من التعاون عليها بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له