جبل يبعد عن مكة نحو ميلين، يدعى غار حراء في جبل النور مساحته صغيرة ولكنها تفي بما كان يحتاجه الرجل فماذا كان يفعل فيه وكم من المدة تكفيه؟
كان يحمل معه زاده الزهيد «ماء وسويق» ، يقيم فيه شهر رمضان، يطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير.
إن الابتعاد عن صخب الحياة وشواغل الأرض وهموم المعاش يحمل الروح لتنطلق فيما وراء الوجود؛ تبحث عن الحي الموجود فكل ذي عقل وبصيرة يعلم أن الأوثان لا تحمل إلا حقيقة واحدة ألا وهي الجهل والعمى الذي ينبئ بسوء منقلب ومصير.
لقد قلب محمد بصره في الأفق البعيد كما قلبه جده إبراهيم - عليه السلام - فالله لا يمكن أن يكون كوكبًا ولا قمرًا ولا شمسًا كما أنه لا يمكن أن يكون صنمًا ولا وثنًا، فأين هي الحقيقة التي تقودنا إلى الحق المبين؟
قضى محمد على حاله تلك ثلاث سنوات ولما تكامل له أربعون سنة بدأت آخر صفحة من صفحات الغيب تنجلي لتكون نهاية البداية الطبيعية للرجل وبداية النهاية لأوضاع قائمة ظلمت البشرية فيها نفسها حين حادت عن الخط الذي رسم لها ونكست فطرتها،