لا غرابة فيه. حتى بلغ به الأمر أنه زعم ان القرآن نفسه يُقر بأنه تعرّض للتغيير. فعل كل ذلك بطريقته التحريفية التغليطية التدليسية، ليصل إلى تقرير أفكاره المعدة سلفا.
و أما الانتقاد الأخير - و هو الخامس- فمفاده أن المنهج العلمي الذي طبّقه الجابري في كتابه: مدخل إلى القرآن الكريم، لا يختلف -في كثير من أساسياته- عن منهج المستشرقين و تلامذتهم في دراساتهم لدين الإسلام. فكان عمدتهم في ذلك هو التأويل التحريفي للقرآن، و الاعتماد على الروايات الضعيفة و الموضوعة، مع الحرص على إثارة الشكوك و الشبهات، و ممارسة التغليط و التدليس. و هذا قد مارسه الجابري بكثرة، و قد ذكرنا منه نماذج كثيرة.
تلك هي أساسيات المنهج العلمي الذي اعتمده الجابري في كتابه مدخل إلى القرآن الكريم، إنها ليست من الموضوعية، و لا من الحياد العلمي، و لا من البحث العلمي النزيه في شيء، و تنقض قوله عندما قال: إن دافعه من تأليف كتابه هذا، هو رغبة (( عميقة في التعريف به-أي القرآن- للقراء العرب و المسلمين، و أيضا للقراء الأجانب تعريفا ينأى به عن التوظيف الإيديولوجي، و الاستغلال الدعوى الظرفي من جهة، و يفتح أعين الكثيرين ممن قد يصدق عليهم القول المأثور:"الإنسان عدو ما جهل"، على الفضاء القرآني كنص محوري مُؤسس لعالم جديد ) ) [1] .
و أقول: إن حقيقة عمل هذا الرجل ليس كما زعم، و إنما حقيقته أنه لم يُعرّف القراء بالتاريخ الصحيح للقرآن الكريم، و إنما عرّفهم بشبهاته، و مغالطاته، و مفترياته، و مذهبيته-إيديولوجيته- التي زعم أنه ينأى بنفسه عنها. و قدم أيضا مادة جاهزة لأعداء الإسلام ليطعنوا فيه، و يُحققوا أهدافهم المذهبية من خلالها. و هو لم يفتح أعين الناس و عقولهم على الفضاء القرآني النقي الصافي كما زعم، و إنما لوّث تفكيرهم بشبهاته و تحريفاته، و أباطيله التي افتراها على القرآن الكريم.
و ختاما لهذا الفصل يتبن منه أن الجابري ضمّن كتابه: مدخل إلى القرآن الكريم، أباطيل كثيرة، كزعمه بأن رسول الله-صلى الله عليه و سلم-كان يعرف القراءة و الكتابة، و أن القرآن ضاعت منه بعض الآيات، و تقزيمه لقصص القرآن و إعجازه. فتتبعنا تلك الأباطيل و بينا تهافتها و بطلانها من جهة. و بينا انحراف منهجيته العلمية في تعامله مع القرآن الكريم، و الروايات التاريخية و الحديثية المتعلقة به من جهة أخرى.
(1) نفس المرجع، ص: 14.