كبيرا مما في القرآن من الكتب الدينية القديمة بطريقة أو أخر. و هذا الزعم و إن كان باطلا [1] فإن الجابري قد ساهم في تدعيمه و ترويجه و مساندة من يقول به من المستشرقين و تلامذتهم، مقابل لا شيء يمكن أن يقدمه لآخرته و ينتفع به يوم يقوم الناس لرب العالمين.
قبل أن نختم هذا الفصل نخصص هذا المبحث لانتقاد المنهجية العلمية التي اتبعها الجابري في كتابه مدخل على القرآن الكريم، و سنذكر منها خمسة انتقادات مركزة نستنتجها مما سبق ذكره في هذا الفصل.
أولها إنه- أي الجابري- لم يلتزم بالمنهج العلمي الصحيح في فهمه للقرآن و تفسيره له في مواضع عديدة، في مقدمتها مسألة الأمي و الأميين، فلم يفسرها بالقرآن الكريم، و لا بالحديث النبوي الشريف، و لا بفهم الصحابة و السلف الأول لها. مع انه كان قد ذكر أنه يأخذ بمبدأ أن القرآن يُفسر بعضها بعضا [2] فتركه و لم يلتزم به، و فسّره بالتأويل التحريفي حسب أفكاره المُسبقة التي يُريد الوصول إليها. و طريقته هذا ليست من الموضوعية، و لا من البحث العلمي الصحيح في شيء.
و الانتقاد الثاني يتمثل في أن الجابري لم يحتكم إلى القرآن الكريم في كثير من القضايا التي تناولها، فقرر - من خلالها - أفكارا تُخالف القرآن صراحة، و قد بناها على روايات معظمها غير صحيح، كزعمه بضياع آيات من القرآن، و أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يعرق القراءة و الكتابة، و، و أن القرآن لا يختلف عن التوراة و الأناجيل في المصدر و لا في المضمون. و هذه طريقة غير علمية، لأنه كان عليه أن يحتكم - في تلك القضايا- إلى القرآن أولا، و لا يُقرر ما يُخالفه ثانيا.
و أما الانتقاد الثالث فمفاده أن قسما كبيرا من أفكار الجابري الباطلة بناها على الروايات التاريخية المتعلقة بتاريخ القرآن من دون أن يُمحّصها و ينتقدها في أسانيدها و متونها، لُيميز صحيحها من سقيمها. إنه لم يهتم بذلك أصلا، ومع أن معظم تلك الروايات غير صحيحة، لكنه -مع ذلك- استعملها و بنى عليها أفكاره، التي أثار - من خلالها- الشكوك و الشبهات التي أوصلته إلى نتائج باطلة مُخالفة للشرع و التاريخ الصحيح معا.
و الانتقاد الرابع يتمثل في أن الجابري كان - في مواضع من كتابه- يُقرر ما يُخالف الشرع صراحة، ثم يُهوّن من ذلك بدعوى أنه لا يُخالفه -أي الشرع-، و لا يُمثل أي خطر عليه، لكي يُضعف في القارئ روع النقد و المقاومة، و لا يُثيره و يُصدمه بما يكتب. فعل ذلك في زعمه بأن النبي- عليه الصلاة و السلام- كان يقرأ و يكتب، و أن القرآن قد ضاعت منه بعض الآيات، و أن هذا أمر عادي و طبيعي
(1) سنعود إلى هذا الزعم و نبين بطلانه بالأدلة القطعية، في الفصل الثاني عندما نرد على خرافات الكاتب هشام جعيط، إن شاء الله تعالى.
(2) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 90.