الصفحة 74 من 157

فمن ذلك إنها-أي التوراة- ذكرت أن نوحا-عليه السلام- شرب الخمر فتعرى، لما رآه أحد أبنائه لعنه بسب ذلك (سفر التكوين: 9/ 21 - 27) . و ذكرت أيضا أن إبراهيم-عليه السلام- اعترض على الله تعالى، و خاطبه بغير أدب، بقوله: (( حاشا لك، أن تفعل مثل هذا الأمر، أن تُميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك، أديان الأرض لا يصنع عدلا ) )- سفر التكوين 8/ 25 - .

و روت أيضا -أي التوراة- أن النبي لوط- عليه السلام- أشربته ابنتاه خمرا، ثم ضاجعتاه ليحملا منه، بدعوى الحفاظ على النسل (سفر التكوين 19/ 31 - 32) . و أشارت إلى أن النبي موسى- عليه السلام- أساء الأدب مع الله تعالى بقوله له: (( لماذا أسأت إلى عبدك؟، و لماذا لم أجد نعمة في عينيك؟، حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب عليَّ ... لا أقدر أنا وحدي ... فإن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني ) )-سفر العدد 11/ 10 - 15 - . و زعمت أيضا أن موسى و هارون-عليهما السلام- خانا الله تعالى، و لم يقوما بالواجب تجاهه، عندما قال لهما: (( من أجل أنكما لم تُؤمنا بي حتى تُقدساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم أياها ) )-سفر العدد 20/ 12 - . و زعمت أيضا أن النبي سليمان- عليه السلام- عبد أصنام نسائه اللاتي بلغن ألفا، و أملن قلبه، و لم يكن كاملا مع الله، و كان عاصيا له، فغضب عليه و عاقبه - سفر الملوك الأول:11/ 3 - 11 - .

أليس ذلك دليل قاطع على أن الجابري افترى على قصص القرآن، عندما جعلها مصدقة لقصص التوراة، و تحكي قصصها، و أغفل خصائصها و أهدافها التي تُميزها عن قصص التوراة؟!. إنه قام بعملية إخفاء، و تحريف، و تقزيم لقصص القرآن و خصائصها و أهدافها، و كأنه كان متأثرا بنظرة المستشرقين و تلامذتهم في زعمهم الباطل بان قصص القرآن نُسخة مأخوذة من قصص التوراة [1] .

رابعا: أباطيل أخرى متفرقة:

عثرتُ على مجموعة أخرى من أباطيل الجابري تتعلق بتاريخ القرآن و مضمونه، أذكر منها الأمثلة الآتية: أولها يتعلق بعدد الصحابة الذين كانوا يحفظون القرآن كله، و مفاده أن الجابري ذهب إلى القول بأن عدد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله كان قليلا، و استشهد بخبر رواه البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- يقول فيه: جمع القرآن زمن الرسول-عليه الصلاة و السلام- أربعة، كلهم من الأنصار، هم: أُبي بن كعب، و معاذ بن جبل، و زيد بن ثابت، و أبو زيد [2] .

و قوله هذا غير صحيح، لأنه أولا لم يُحقق في المر، و لم يتساءل: هل يُعقل أن ينزل القرآن في مدة 23 سنة، و لا يحفظه كله إلا أربعة من الأنصار؟، فأين

(1) أنظر مثلا: محمد أركون: الفكر الأصولي و استحالة التأصيل،، ترجمة هاشم صالح، ط 2، دار الساقي بيروت، 2002 ... ص: 22، 83. و تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة صالح هاشم، ط 3، مركز الإتحاد القومي، و المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء،1998، ص: 266.

(2) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت