فهرس الكتاب
المهاجرون الذين عاشوا في العهدين المكي و المدني، و شاهدوا نزول القرآن مدة 23 سنة؟، و أين الأنصار الآخرون؟، و أين الجهود الكبيرة التي بذلها رسول الله في تعليم أمته، و حثها على حفظ القرآن الكريم؟. إنه لا يُعقل و لا يصح أن تُثمر جهود النبي-عليه الصلاة و السلام- في تربيته لأصحابه و تعليمهم، و حثهم على حفظ القرآن، و الموت في سبيل الله، بأن يحفظ القرآن منهم أربعة فقط!!. و نحن نرى في زماننا أن أعدادا كبير جدا تحفظ القرآن كله في سنة واحدة، أو في سنتين، أو ثلاث سنوات، أو في أربع سنوات.
و الجابري لم يُحقق في الموضوع، و اكتفى بالرواية التي ذكرها، لأنه وجدها شاهدا قويا لتأييد ما يُريد الوصول إليه، و هو بما أن عدد الصحابة الحافظين للقرآن كله كان قليلا، فمن الجائز أن يضيع شيء من القرآن و لا يُتنبه إليه و لا يُستدرك [1] .
و أما قول أنس بن مالك الذي استشهد به الجابري، فلا يصح حمله على إطلاقه، لأنه توجد روايات و معطيات كثيرة تُقيده من جهة، و هو ليس قولا يُقصد به الاستقصاء و الحصر من جهة أخرى، و إنما المقصود به ذكر أبرز حفاظ القرآن من الأنصار الذين تخصصوا فيه حفظا و رسما، تلاوة و قراءات. و قوله لا ينفي وجود حفاظ آخرين من المهاجرين و الأنصار معا، فهو لم يقل: لم يحفظ من الصحابة القرآن كله إلا أربعة، و إنما قال: جمع القرآن أربعة من الأنصار. و عبارة: جمع أوسع من معنى الحفظ فقط، و إنما يشمل الجامع الشامل للقرآن و التخصص فيه حفظا و تلاوة، رسما و قراءات.
و ثانيا إنه تتوفر شواهد كثيرة تُثبت أن حفاظ القرآن من الصحابة كانوا كثيرين جدا، أولها أنه في حادثة بئر معونة زمن النبي- صلى الله عليه و سلم- قُتل فيها 70 صحابيا كانوا كلهم من القراء الذين تخصصوا في قراءة القرآن و تعلّمه و مدارسته، أرسلهم رسول الله لتعليم بعض القبائل العربية دين الإسلام، فغدروا بهم و قتلوهم [2] .
فهل يُعقل أن يتخصص هؤلاء في قراءة القرآن و مدارسته و تعليمه، و يُسمون بالقراء، و لا يحفظون القرآن كله، أو لا يكون أكثرهم، أو نصفهم، أو ثلثهم لا يحف القرآن كله؟!. و إلا لماذا سُموا قراء؟، و ما الفرق بينهم و بين عامة الصحابة إذا لم يكونوا يحفظون القرآن كله؟!.
و ذلك العدد المذكور شاهد قوي جدا على أن رسول الله كوّن عددا كبيرا من الصحابة تخصصوا في حفظ القرآن و تلاوته و تعلّمه و مدارسته. و بما أنه بعث منهم 70 قارئا لتعليم بعض القبائل العربية، فهذا يشير إلى أنه لم يبعث كل القراء، و إنما ترك طائفة منهم لتواصل عملها في التعلّم و التعليم.
(1) سبق أن ناقشناه في دلك الزعم، و بينا بطلانه.
(2) البخاري: الصحيح، ج 3 ص: 1115. و مسلم: الصحيح، ج 3 ص: 1511.