فهرس الكتاب
و الشاهد الثاني، مفاده أن من المعروف أن جماعة من أعيان الصحابة كانوا يحفظون القرآن كله، من غير هؤلاء الأربعة، و منهم: عبد الله بن مسعود، و سالم مولى أبي حذيفة، و أبو بكر الصديق، و عثمان بن عفان، و أبو الدرداء، و عبد الله بن عباس، و عبد الله بن عمر [1] - رضي الله عنهم-.
و الشاهد الثالث مفاده أنه في موقعة اليمامة سنة 12 هجرية، قُتل فيها كبير من قراء الصحابة، فقال عمر لأبي بكر - رضي الله عنهما-: (( أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القُراء، إلا أن تجمعوه ) ) [2] . و قد قذّر ابن كثير عد القراء الذين كانوا في المعركة ب: 3 آلاف قارئ، من جملة 13 ألف مقاتل، استشهد منهم نحو: 500 قارئ [3] . و ربما يُقال: إن ذلك العدد مُبالغ فيه. و هذا احتمال وارد، لكن مهما بُولغ فيه، فإن عدد القراء يبقى كبيرا أيضا، مما يعني أن حفاظ القرآن كانوا كثيرين فعلا و حقيقة.
و يتبين من كلام عمر- رضي الله عنه- أنه خاف أن يستمر القتل في القراء في معارك أخرى غير اليمامة، فيذهب كثير من القرآن، و ليس كله، لأن المسلمين يُشاركون هؤلاء في حفظ كثير من القرآن، و لا يحفظونه كله. فذلك التخوّف يدل على أن هؤلاء القراء كانوا يحفظون القرآن كله، و ليس بعضه، و إلا ما تخوّف عمر من ذهاب كثير من القرآن إذا استحر القتل بالقراء في مواقع أخرى. فلو كانوا كغيرهم من عامة المسلمين، ما تخوّف عمر من ذلك، و ليس لتخوفه معنى من أن يستحر القتل فيهم. و بما أنه تخوّف من استمرار القتل فيهم، دل هذا أنهم كانوا يحفظون القرآن كله، فيؤدي قتلهم إلى ذهاب ملا يحفظه عامة المسلمين.
و بذالك يتبين أن عدد حفاظ القرآن الكريم في زمن النبي- عليه الصلاة و السلام-،و زمن أبي بكر-رضي الله عنه- كان كبيرا يُعد بالمئات، بل بالآلاف.
و المثال الثاني - من تلك الأباطيل- مفاده أن الجابري كرر مرارا أن القرآن الكريم الموجود بين أيدينا، جُمع و رُتب في مصحف واحد زمن عثمان. و قال أيضا: إن الجمع النهائي للقرآن تمّ زمن عثمان [4] .
و قوله غير صحيح، لأنه ثبت بالخبر الصحيح أن القرآن كله كان محفوظا و مكتوبا مُفرقا عندما تُوفي رسول الله -عليه الصلاة و السلام-، فأمر أبو بكر-رضي الله عنه- بجمعه كله في مصحف واحد. و في زمن عثمان- رضي الله عنه- لم يحدث أي جمع جديد للقرآن أبدا، و إنما جيء بالمصحف الإمام، فنُسخُت منه مصاحف حسب الأمصار، و اُرجع المصحف الإمام إلى حفصة أم المؤمنين- رضي الله عنه-. و أما الذي تمّ زمن عثمان فهو توحيد للمصحف رسما و حرفا و قراءات، لأن السبب في إقدام عثمان على فعل ذلك هو كثرة الاختلافات بين المسلمين بسب تعدد القراءات و اختلاطها، فحسم الأمر بطريقة جماعية صحيحة،
(1) البخاري: نفس المصدر، ج 4 ص: 1911، 1913. و ابن كثير: فضائل القرآن، ص: 93.
(2) البخاري: نفس المصدر، ج 4 ص: 1720.
(3) ابن كثير: المصدر السابق، ص: 32.
(4) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 107، 178، هامش: 215، 216، 219، 223، 232.