الصفحة 77 من 157

و لم يحدث أي تغيير لمتن القرآن و مضمونه [1] . لكن الجابري لا يريد أن يعترف بهذه الحقيقة، و يظل يُغالط، و يُدلس، و يُكرر، ليفرض زعمه على القراء، من أن القرآن ضاعت منه آيات لم يستدركها الصحابة. و هذا زعمه هذا باطل مردود عليه، سبق أن ناقشناه فيه و بينا بطلانه و تهافته، فلا نعيده هنا.

و أما المثال الثالث من أباطيل الجابري- فيتعلق بالقراءات القرآنية، و مفاده أن الجابري قال: (( فالأحرف السبعة ترجع إلى زمن النبي- صلى الله عليه و سلم-. أما القراءات فترجع إلى زمن توزيع نسخ المصحف العثماني على الأمصار ) ). ثم نقل ما يقوله علماء القراءات من أن كل القراءات الصحيحة لها أسانيد متصلة تصل إلى النبي-عليه الصلاة و السلام- و رجالها ثقات [2] .

فالجابري هنا قال بخلاف ما يقوله علماء القراءات، فهم أرجعوا أصل القراءات إلى رسول الله بالروايات المسندة الصحيحة، و هو قد خالفهم عندما زعم أن القراءات ترجع إلى زمن عثمان، من دون أن يُقدم أي دليل صحيح، و لا ضعيف.

و ذكر أيضا أن التحريف أنواع، كاختلاف القراءات، ثم قال: (( هذه الأنواع من التحريف واقعة في القرآن، و مُعترف بها بصورة أو أخرى من طرف علماء الإسلام، تحت العناوين التالية: التأويل، الأحرف السبعة، مسألة البسملة [3] .

و قوله غير صحيح، و فيه تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأنه أولا أنه-أي الجابري- لم يذكر من أين أخذ المعنى الذي عرّف به معنى التحريف في اللغة العربية، و اكتفى بقوله: (( و التحريف أنواع شرحها بعضهم بقوله: ) )،و كان عليه أن يُوثّقه، لكنه لم يفعل ذلك. و قد بحثت عن هذا التعريف المنسوب إلى بعض أهل العلم فلم أعثر له على أثر في كتب علوم الشريعة، و لا في مؤلفات اللغة و النحو و الأدب، و لا في مصنفات العقائد و الملل و التاريخ، و لا ذكر أنه هو شخصيا صاحب هذا التعريف.

لكن يبدو لي أن الجابري هو صاحب هذا التعريف عبّر به عن نفسه بقوله: (( شرحها بعضهم بقوله: ) )، فهو هذا البعض. و إذا صحّ هذا، أو لم يصح، فتعريفه لمعنى التحريف غير مقبول و باطل، ولا يصح أن ينسبه إلى القرآن، و لا إلى اللغة، و لا إلى علماء الإسلام، و إنما هو مجرد رأي أرتأه لم يُقدم على صحته شاهدا صحيحا من الشرع و لا من اللغة العربية.

و ثانيا إن التحريف في الشرع و اللغة هو لفظ مذموم، و ليس ممدوحا، فهو تغيير لمعنى الكلام، و ميل به إلى غيره. و هو عمل قريب الشبه بما كان اليهود يفعلونه في تغيير معاني التوراة، لذا ذمهم الله تعالى، لأنهم يُحرّفون الكَلِم عن مواضعه [4] . و عليه فلا يصح أبدا وصف القراءات الصحيحة، و الحروف السبعة بأنها من

(1) هذه المعلومات سبق توثيقها.

(2) الجابري: المرجع السابق، ص: 179.

(3) نفس المرجع، ص: 222.

(4) أنظر: ابن منظور: لسان العرب، ج 9 ص: 41. و ابن جني: سر صناعة الإعراب، ط 1، دار القلم، دمشق، 1983، ج 1 ص: 16. و الخليل الفراهيدي: كتاب العين، دار مكتبة الهلال، بيروت، د ت، ج 3 ص: 211. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 3 ص: 67، 165. و ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة، ج 1 ص: 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت