فهرس الكتاب
التحريف، أو هي من أنواعه، لأن تعريفه للتحريف هو تعريف باطل شرعا و لغة. و هل يُعقل أن يذم الشرع التحريف، ثم يٌقره، و يأخذ به في الحروف السبعة و القراءات الصحيحة؟!.
و يبدو أن الجابري استخدم التغليط و التدليس، للوصول إلى القول بأن القراءات و الحروف السبعة هي من أنواع التحريف. بدعوى أن التحريف هو نوع من أنواع التغيير، و القراءات و الحروف السبعة فيها اختلافات في الحروف و الشكل، فهي إذًا نوع من أنواع التغيير، الذي قد يكون مظهرا من مظاهر التحريف. و هذا الفهم لا يصح، فيما يتعلق بالقراءات و الحروف السبعة، لأن التحريف إذا كان نوعا من التغيير، فإن الاختلاف الموجود في القراءات ليست تغييرا و لا تحريفا، و إنما هي اختلافات تتعلق بألفاظ تختلف من قراءة إلى أخرى من حيث الشكل، أو الإفراد و الجمع، أو زيادة حرف و إنقاصه، كقوله تعالى: (( فقالوا ربنا بَاعِد بيننا ) )-سورة سبأ / 19 - ، وقرئ أيضا:"بَاعَدَ"، و"بَعِّد". و قوله تعالى: (( و انظر إلى العظام كيف ننشزها ) )-سورة البقرة/259 - ،و قرئ أيضا:"ننشرها" [1] . و كل هذه الاختلافات ليست تحريفا و لا فعلا بشريا، و إنما هي اختلاف تنوع لا اختلاف تناقض و تحريف، نزل بها الوحي الأمين على رسول الله -عليه الصلاة و السلام - و قد صحت عنه بالأسانيد الصحيحة [2] .
و أما المثال الرابع- من أباطيل الجابري- فيتعلق ب: هل القرآن الكريم من التراث أم لا؟. إنه-أي الجابري- أجاب عن ذلك بصراحة عندما قال: (( لقد أكدنا مرارا أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث، و هذا شيء نؤكده هنا من جديد. و في نفس الوقت نُؤكد ايضا ما سبق أن قلناه في مناسبات سابقة من أننا نعتبر جميع أنواع الفهم التي شيدها علماء الإسلام ... هي كلها تراث لأنها تنتمي إلى ما هو بشري ) ) [3] ,
واضح من كلامه أنه لا يجعل القرآن و لا السنة النبوية من التراث البشري، لأنهما ليسا من أنواع الفهم التي شيدها علماء الإسلام، التي كلها أعمال بشرية. و هو و إن كان لم يُلحق السنة النبوية بالقرآن صراحة، فإن قوله الأخير واضح بأنه استثناها من أن تكون من أعمال علماء الإسلام، لأن السنة النبوية ليس من أعمال هؤلاء.
و موقفه هذا صحيح تماما، لكن يُوجد في بعض كتبه ما يُخالف ذلك و يُناقضه. مع أنه نقلنا عنه أنه قال: (( لقد أكدنا مرارا أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث، و هذا شيء نؤكده هنا من جديد ) ). فكان عليه أن يُشير إلى أنه قال خلاف ذلك في بعض مصنفاته، لكنه غيّر موقفه الآن. و هو على الرأي الذي قاله صراحة في كتابه هذا: مدخل إلى القرآن الكريم. لكنه لم يفعل ذلك، مما يعني أنه متناقض مع نفسه، أو أنه تعمد فعل ذلك، أو أنه نسيه.
(1) أنظر: خميس جابر صقر: الواحة الخضراء في تاريخ القراءة و القراء، ط 1، دار الصحابة، طنطا، 2004، ص: 32، 33.
(2) أنظر مثلا: السيد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة، ص: 5 و ما بعدها.
(3) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 26.