فهرس الكتاب
و الشواهد الآتية تُثبت خلاف ما قاله الجابري، و هي منقولة من مؤلفاته. أولها إنه قال: إن عبد الله بن المقفع لم يكن -في كتبه- يستشهد"بالقرآن، و لا بالحديث، و لا بأي عنصر آخر من الموروث الإسلامي [1] . و قال أيضا: إن القرآن ينتمي إلى الموروث الإسلامي الخالص، بل هو أساس هذا الموروث، و هو أحد الموروثات الخمس المكونة للثقافة العربية. كاللغة العربية التي هي الموروث العربي الخالص [2] ."
فواضح من كلامه أنه جعل القرآن و الحديث من الموروث العربي الإسلامي، و جعلهما من المكونات الأساسية لهذا الموروث المُكوّن من خمسة موروثات حسب زعمه. فهل ذلك الموروث عنده يعني التراث الإسلامي؟، نعم إنه يعني به ذلك، لأن التراث الإسلامي عند الجابري هو نفسه الموروث الإسلامي. لأنه نصّ على أن التراث مُكوّن من العقيدة و الشريعة، و اللغة و الأدب، و العقل و الذهنية، و التطلعات. و قال: (( ما يُميز التراث العربي الإسلامي، أنه في نظرنا هو أنه مجموعة عقائد، و معارف، و تشريعات، و رُؤى، بالإضافة إلى اللغة العربية التي تحملها و تُؤطرها ) )، و قال أيضا: إن التراث العربي الإسلامي، ضم في مكوناته مفاهيم و تصورات دينية و فلسفية و أخلاقية، من الحضارات القديمة، ما يجعلها تحتل مكانة بارزة إلى (( جانب المكانة الأساسية التي يحتلها فيه الإسلام كدين ) ) [3] .
واضح من كلامه أنه جعل الإسلام بعقائده و شريعته من التراث العربي الإسلامي، و من مقوماته الأساسية. و من ثم فإن القرآن و الحديث هما بالضرورة أنهما من ذلك التراث، لأن الإسلام ما هو إلا القرآن و الحديث النبوي. كما أنه نص صراحة على أن الحديث النبوي من التراث عندما قال: (( و لننتقل الآن إلى مثال آخر، و سيكون هذه المرة نصا من تراثنا، هو حديث نبوي لعلنا نحفظه جميعا، و قد جاء فيه"كل مُحدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار") ) [4] .
فالرجل كرر كلامه و أكده على أن الإسلام من التراث العربي الإسلامي الموروث، و من ثم فإن القرآن و الحديث هما من ذلك التراث بالضرورة، لأنه لا إسلام دون قرآن و سنة. و لا ندري هل الجابري تعمد ما قاله في كتابه: مدخل إلى القرآن لحاجة في نفسه عندما نفى كون القرآن و الحديث أن يكونا من التراث، أم انه غيّر موقفه عما قاله في كتبه السابقة لكتابه هذا؟. و هذا احتمال وارد، لكنه ضعيف لأن الجابري نقلنا عنه انه قال: (( لقد أكدنا مرارا أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث، و هذا شيء نؤكده هنا من جديد ) )، و هذا مخالف لما نقلناه عنه سابقا عندما جعل القرآن و الحديث من التراث، و هذا قاله في بعض كتبه، ككتاب العقل العربي الأخلاقي الذي صدر سنة 2001. فكان عليه أن يُؤكد الأمر بصراحة و وضوح، كأن يقول: كنتُ أقول كذا، و الآن أُغيّر موقفي أقول كذا.
(1) الجابري: تكوين العقل العربي، ط 8، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، د ت. ص: 66.
(2) الجابري: العقل العربي الأخلاقي،، ط 2، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2001، ص: 204.
(3) الجابري: التراث و الحداثة ط 2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999، ص: 24، 30، 38.
(4) نفس المرجع، ص: 50.