فهرس الكتاب
السلام- هو كلام الله المعجز الكامل، الذي لا يأتيه الباطل أبدأ، و لا يستطيع أن يأتي أي مخلوق و لو اجتمع الإنس و الجن على ذلك ما آتوا به، و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا. و أما علم العلماء، فهو علم نسبي في متناول كل أهل العلم، و هو ثمرة لنشاطهم فيه الخطأ و الصواب معا.
و هو أيضا-أي جعيط- قد افترى على محمد و عيسى-عليهما الصلاة و السلام- عندما جعلهما من كبار مؤسسي الأديان. فهذا زعم باطل، و افتراء على الشرع و التاريخ معا، لأنهما كانا نبيين رسوليين، و جاءا برسالة إلهية واحدة، و لم يأت كل منهما بدين جديد، و إنما جاءا بدين واحد هو الإسلام، لقوله تعالى: (( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) )-الشورى: 13 - و (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) )-آل عمران: 19 - .
و ثالثا إنه لا علاقة لظهور النبوة بالزمان و البيئة، لأن النبوة قد تظهر في أي زمان و في أي مكان، و بمعنى آخر إنها -أي النبوة- ليست إفرازا للأوضاع البشرية و الطبيعية كما أراد أن يُوهمنا به المغالط هشام جعيط. فإذا كان لتغير البيئة تاثير كبير في ظهور العلماء، و تنوّع إنتاجهم و إبداعهم، فإن هذا الأمر لا دخل له في ظهور النبوة من عدمها. لأن النبوة لا تُكتسب، و الأنبياء ظهروا في مناطق متنوعة من العالم، و دينهم واحد.
و أما قوله بأن الابتعاد عن المراكز الحضارية مع وجود العبقرية، يأتي بالشيء العظيم، فهذا أمر لا دخل له في النبوة أبدا من جهة ن و هو أمر نسبي لأهل العلم من جهة أخرى. لأن الإبداع لا يتعلق بالضرورة بالبعد و القرب من تلك المراكز، و الواقع يشهد على ما نقول. فمن الثابت أن كثيرا من عباقرة العالم و كبار علمائه و قادته و مفكريه عاشوا الحواضر كعمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب، و ابن سينا، و ابن عقيل البغدادي، و ابن الجوزي، نور الدين محمود بن زنكي، و صلاح الدين الأيوبي و ابن تيمية، و ابن قيم الجوزية، و حسن البنا، و عباس محمود العقاد، و سيد قطب، ... إلخ.
و واضح من كلامه أيضا أنه يُريد من تلك الخرافة الوصول إلى إنكار نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام - بإيجاد تفسير بشري لما جاء به من عند ربه، بدعوى أن ذلك يندرج ضمن إبداعات و مكتشفات العلماء و العباقرة. و هذا زعم باطل مردود عليه، شرعا و عقلا و تاريخا و علما ليس هنا تفصيل ذلك، و قد سبق ذكر بعضه.
أورد هشام جعيط طائفة من الخرافات في كتابة تاريخية الدعوة المحمدية، تتعلق بالحديث و السيرة النبوية، من دون أن يُؤيدها بأي تحقيق علمي صحيح، و لا رواية تاريخية صحيحة و لا ضعيفة. نذكر منها ثلاث خرافات، أولها عبّر عنها