الصفحة 133 من 157

بقوله: (( و الأقرب أن الاهتمام بالحديث لم يكن موجودا في القرن الأول ) ). ثم أحال في الهامش إلى كتاب للمستشرق شاخت [1] .

و قوله هذا زعم باطل شرعا و عقلا و تاريخا، فأما شرعا فإن القرآن الكريم أمر في آيات كثيرة بوجوب الأخذ بالسنة النبوية، كقوله تعالى: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) )-الحشر: 7 - و (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) )-النساء: 65 - و (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) )-محمد: 33 - ،و (( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) )-النساء: 80 - و هذه الأوامر تستلزم الاستجابة من المسلمين، و التي تعني الاهتمام بالحديث النبوي.

و أما عقلا فبما أن النبي-عليه الصلاة و السلام- هو رسول الله المأمور بتبليغ الدعوة، و هو الشارح و المترجم العملي للقرآن و المُبين له، و بما أن القرآن ذكر أمورا كثيرة مجملة تركها للسنة النبوية لتبينها، كتفاصيل الصلاة و الحج، فهذا يعني أنه لا يمكن للمسلمين الاستغناء عن السنة. و هذا يستلزم حتما الاهتمام بالحديث النبوي منذ بداية الدعوة الإسلامية و ما بعدها خلال العهدين الراشدي و الأموي.

و أما من الناحية التاريخية فقد صحت الأخبار بان الصحابة كانوا يهتمون كثيرا بالأحاديث النبوية، و شرع بعضهم في تدوينها مُبكرا، حتى أن الرسول-صلى الله عليه و سلم- عن تدوين غير القرآن. لكنه سمح لبعضهم من تدوين حديثه، كالصحيفة الصادقة التي دوّنها عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.و قد استمر الاهتمام بالحديث زمن الخلافة الراشدة و ما بعدها، و قد كان الخلفاء الراشدون يسألون عن الأحاديث النبوية، و يتأكدون من ثبوتها [2] .

و أما الخرافة الثانية فمفادها أن جعيطا زعم أن شباب محمد يمثل (( مشكلة كبيرة يستعصي حلها. فلو اتخذنا منهج الصرامة التامة لوجب القول: إنا لا نعرف عنه شيئا قبل الدعوة سوى الإشارات القرآنية، و أن كل ما قيل في المصادر من باب الخيال الديني و الأسطورة ... ) ) [3] .

و قوله هذا زعم باطل و مردود عليه، و فيه تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأنه أولا لم يُقدم دليلا تاريخيا صحيحا و لا ضعيفا يُؤيد به زعمه، و إنما اعتمد - كعادته- على ظنونه و أهوائه و تعصبه. و عليه فإنه لن يستقيم زعمه إلا بدليل صحيح، و زعمه ما هو إلا دعوى، و الدعوى لا يعجز عنها احد.

و أما زعمه بأن شباب محمد مشكلة كبيرة، يستعصي حلها، فهو افتراء و اختلاق، لأن الحقيقة خلاف ذلك تماما، و هي أنه لا توجد مشكلة أصلا، تتعلق

(1) تاريخية الدعوة، ص: 37، 326.

(2) محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين، مكتبة وهبة، القاهرة، ص: 68، و ما بعدها، 80 و ما بعدها، و 348 و ما بعدها.

(3) تاريخية الدعوة المحمدية، ص: 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت