فهرس الكتاب
بشباب محمد-عليه الصلاة و السلام-، لأن ما نعرفه عن شبابه من القرآن و التاريخ كاف شاف، ينقض تلك المشكلة المزعومة من أصلها. و ذلك أن القرآن الكريم قد سجل لنا خطوطا كبرى تتعلق محمد-صلى الله عليه و سلم- قبل نبوته. منها إنه كان يتيما فقيرا، فآواه الله و أغناه، و كان ضالا فهداه، و كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و لم يكن له إطلاع على تراث أهل الكتاب، و ما كان ينتظر أنه سيكون نبيا [1] . و بهذه الصفات- و غيرها- يكون القرآن الكريم قد سجل خطوطا كبرى و أساسية من حياة محمد-عليه الصلاة و السلام- قبل نبوته، تتعلق بظروفه العائلية و الاقتصادية، و النفسية و العلمية، و هي من الأهمية بمكان.
و أما التاريخ، فهو أيضا سجل لنا في روايات صحيحة، ما ذكره القرآن الكريم، و أضاف أخبارا أخرى تتعلق بمولده و حواضنه و مراضعه، و حادثة شق الصدر، و رحلته إلى الشام، و دوره في حلف الفضول، و الشهادة له بالصدق و الأمانة، و رعيه للغنم، و زواجه بخديجة [2] -رضي الله عنها-.
واضح من تلك الأخبار أنها تنقض المشكلة المزعومة التي توّهما هشام جعيط، فهي أخبار صحيحة هامة مثلت خطوطا كبرى من حياة رسول الله، و هي كافية شافية لمعرفة شخصية محمد -عليه الصلاة و السلام - فبل نبوته. و ليس من الضروري أن نعرف تفاصيل حياته قبل نبوته، و المسلمون غير مطالبين بالإقتداء به قبل نبوته، لأنه كان فيها إنسانا عاديا عاش حياة طبيعية هنيئة مستقرة بين أهله و عشيرته. لذا فمن غير الطبيعي أن تُسجل التاريخ تفاصيل حياة إنسان عادي، فهو كغيره من الناس الذين لا يُسجل التاريخ إلا القليل من أخبارهم، و بعضهم لا يذكرهم نهائيا. و لو كانت حياة رسول الله غير عادية -في عمومها- قبل نبوته، لسجل التاريخ ذلك، و ما سجله منها كافٍ شافٍ، يُبطل خرافة هشام جعيط.
و واضح أيضا أن جعيطا عندما لم يجد في حياة النبي- قبل نبوته- ما يثبت مزاعمه الخرافية كحكاية التأثيرات الكتابية، و احتراف النبي-عليه الصلاة و السلام- للتجارة و طلبه للعلم في الشام، رفض بعض تلك الأخبار الصحيحة من جهة، و قزّم ما قبله منها من جهة أخرى. و التي رفضها ليس لأنها غير صحيحة، و إنما لأنها تنقض مزاعمه الخرافية، فلم يبق أمامه إلا رفضها و تقزيم ما صحّ منها، و التعلق بالظنون و الأوهام تعصبًا و جحودًا للحقيقة.
و ثانيا إن ذكر جعيط لحكاية منهج الصرامة التامة، هو تغليط للقراء و تدليس عليهم، و حديث خرافة، لأنه هو شخصيا قد داس على المنهج العلمي، و وعوّضه بالظنون و الأساطير. و المنهج العلمي الصحيح بريء من جعيط و منهجه. و هو عندما وصف ما رُوي عن حياة النبي-عليه الصلاة و السلام- من أخبار قبل نبوته بأنها من باب الخيال و الأساطير، كان يقصد ما رُوي من بشائر النبوة، كحادثة شق الصدر. لكن المنهج العلمي الصارم الصحيح لا يتناول الموضوع بالطريقة
(1) سبق ذكر الآيات التي تتعلق بتلك الصفات، و هي معروفة.
(2) الألباني: صحيح السيرة النبوية، ص: 13، 15، 16، 18، 19، 35، 37.