الصفحة 135 من 157

التي تناولها هشام جعيط، و إنما يتناوله من جهتين: الأولى النظر في تلك الروايات غير العادية المروية عن شباب محمد-عليه الصلاة و السلام- على أنها تخالف طبيعة الإنسان العادي، و من ثم فهي مُستبعدة من البحث و لا تُقبل في حق الإنسان العادي.

و الجهة الثانية النظر في تلك البشائر و الإرهاصات على أنها لم تُرو في حق إنسان عادي، و إنما رُويت في حق النبي محمد-صلى الله عليه و سلم-،و في هذه الحالة يختلف هذا الموقف عن موقف الوجه الأول، و تصبح تلك الأخبار المخالفة لطبيعة البشر العاديين، ممكنة الآن في حق النبي محمد -عليه الصلاة و السلام-. و هنا على العقل العلمي الموضوعي أن ينتقل إلى موضوع البحث في صدق نبوة محمد من عدم صدقها، و بما أن نبوته قامت الأدلة الشرعية و التاريخية و العقلية و العلمية على صدقها [1] ، فعلى العقل العلمي أن يُخضع تلك الروايات للنقد و التمحيص العلميين، فإذا صحت قبلناها، و إلا رفضناها. هذا هو المنهج العلمي الصحيح الصارم، و ليس ما زعمه هشام جعيط المُغالط الذي يتظاهر بالمنهج العلمي و هو من أبعد الناس عنه.

و أما الخرافة الأخيرة -و هي الثالثة- فمفادها أن جعيطا زعم أن الفترة التي سبقت النبوة من حياة النبي أثناء زواجه بخديجة، كانت فترة طويلة معتمة في المصادر بل غائبة تماما [2] . و قوله هذا لا يصح، و فيه تغليط و تشكيك، لأن حياة النبي-عليه الصلاة و السلام- في تلك الفترة لم تكن غائبة تماما، لأننا نعرف منها خطوطا كبرى تشهد على أن رسول الله عاش حياة طيبة هنيئة مستقرة، كان خلالها في خدمة أهله و مجتمعه، و ليس من الضروري أن نعرف تفاصيل حياته قبل النبوة، و ما نعرفه منها كافٍ شافٍ.

و الدليل على أنه كان في خدمة أهله و مجتمعه، أن زوجته خديجة- رضي الله عنها-ذكرت لنا أعماله التي كان يقوم بها قبل النبوة، من فعلها لا يكاد يجد فراغا في حياته، و لا يقال أن حياته كانت مُعتمة تماما في المصادر على حد زعم جعيط. فمن ذلك أنها شهدت للنبي-عليه الصلاة و السلام- بقولها له: (( و إنك لتصل الرحم، و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الدهر ) ) [3] .

و منها أيضا أنه عندما بلغ نحو 35 سنة من عمره شارك مع قومه في إعادة بناء الكعبة المُشرفة، ساهم في ذلك بجهده و فكره [4] . و عندما قارب الأربعين كانت له خلوات للتأمل في غار حراء [5] . ذلك هو محمد بن عبد الله قبل نبوته، فقد كان رجلا صالحا، أمضى حياته في خدمة أهله و أقاربه و مجتمعه، و هذا كله ينقض خرافة هشام جعيط التي سبق ذكرها.

(1) سبق ذكر بعضها في الفصل الأول و الثاني، و لكن ليس هنا مكان تفصيلها.

(2) جعيط: تاريخية الدعوة، ص: 152.

(3) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 4. و مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 139.

(4) ابن هشام: مختصر سيرة بن هشام، ص: 33. و البوطي: فقه السيرة، ص: 55.

(5) البوطي: نفس المرجع، ص: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت