الصفحة 121 من 157

مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ )) -يونس: 94 - . فالرسول-صلى الله عليه و سلم- لم يكن له أي إطلاع عما في كتب اليهود و النصارى.

ثانيا: خرافة تغيير النبي-ص- لاسمه من قُثم إلى محمد:

زعم الكاتب هشام جعيط أن المصادر أخفت اسم محمد الحقيقي قبل البعثة، و قالت: إن اسمه هو محمد منذ ولادته. و ذكر انه ترجّح لديه أن اسمه الأول هو قُثم، لأن المؤرخ البلاذري ذكر في كتابه أنساب الأشراف أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي كان يُكنى بأبي قُثم، و يُقال بأبي محمد. ثم زعم أيضا أن البلاذري ذكر أن بعض أبناء عبد المطلب كان اسمه قُثم، فمن المعقول أن نستنتج أن النبي تسمى على اسم عمه المفقود، و هذا من عادات قربش؟ ثم زعم أيضا أن النبي اتخذ اسم محمد بتأثير من النصرانية، و أن قوا القرآن: (( و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ... ) )مأخوذ من إنجيل يُوحنا الذي ذكر الباراقليط الذي يعني التفخيم و الرفعة، و المواسي. فاتخذ النبي اسم محمد في العهد المدني، و كان مُنشغلا بأن يكون الباراقليط الذي بشر به المسيح [1] .

و زعمه هذا خرافة كبيرة، لم يستح من ذكرها، و لا ذكر عليها دليلا صحيحا و لا ضعيفا، و هي باطلة شرعا و عقلا و تاريخا. أولا إنه رجل مُحرّف مُتبع لهواه، لم يأت بدليل يُثبت زعمه الخرافي، و تعلق بظنون و أوهام و شبهات اختلقها و نفخها و بنى عليها أسطورته.

و أما استشهاده بما رواه البلاذري، فهو استشهاد لا يصح الاعتماد عليه، لأنه خبر رواه البلاذري دون إسناد [2] ، و الخبر الذي هذا حاله لا يصح الاحتجاج به في علم الجرح و التعديل، خاصة و أنه يتعلق بأمر هام جدا يستلزم التأكد من صحته إسنادا و متنا. و الخبر الذي يفتقد الإسناد هو خبر افتقد شرطا أساسيا من شروط صحة الخبر.

علما بأن ذلك الخبر-الذي رواه البلاذري- ليس دليلا على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يُسمى قُثما، و إنما هو يتعلق بأمر آخر، مفاده أن أباه عبد الله كانت له كنيتان، الأولى هي: أبو قُثم، و الثانية هي: أبو محمد، تسمى بها بعد ميلاد ابنه محمد، و الأولى تسمى بها قبل ميلاد ابنه. و هذا معروف في التاريخ الإسلامي، فإن كثيرا من الناس تكنوا قبل زواجهم، أو قبل أن يصبح عندهم أولا، أو تزوّجوا و لم يكن لهم أبناء، و قد كان شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية (ت 728 هجرية) ، يُكنى بأبي العباس و هو لم يتزوج أصلا.

و الأرجح أن عبد الله والد النبي كان يُكنى بأبي قُثم قبل ميلاد ابنه محمد، لأن الثابت و المشهور في السيرة، أن عبد الله تُوفي و ابنه في بطن أمه [3] . الأمر الذي يعني أن محمدا - عليه الصلاة و السلام - لم يكن يسمى قُثما و إنما أبوه هو الذي

(1) تاريخية الدعوة المحمدية، ص: 148، 149، 166، 337.

(2) أنظر: البلاذري: أنساب الأشراف، ج 1 ص: 39.

(3) نفسه، ج 1 ص: 39. و ابن كثير: البداية و النهاية، ج 2 ص: 665، 666.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت