فأين معهود العرب المزعوم، الذي نحوّل -على يد الجابري- من حبة صغيرة جدا، إلى قبة كبيرة جدا؟!.
و قال أيضا: إن قصص القرآن تحدثت عن وقائع تاريخية ضمن معهود العرب الثقافي و الفكري [1] . و قوله هذا يتضمن جانبا صحيحا و آخر غير صحيح، لأن القرآن ذكر قصصا كثيرة منها ما كان العرب يعرفونه، و يدخل ضمن معهودهم، و منها ما لم يكونوا يعرفونه، فهو جديد بالنسبة إليهم، و ليس من معهودهم، بدليل قوله تعالى: (( تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) )-هود: 49 - ، و (( قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) )-القصص: 36 - و (( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ) )-سورة صـ: 7 - و (( وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) )-المؤمنون: 24 - .
و يتبين مما ذكرناه أن الجابري جعل القرآن ظاهرة عربية، محكوم فهمه بمعهود العرب الثقافي، و الحضاري و الاجتماعي. و بمعنى آخر أن القرآن محكوم بظروفه الزمكانية التي نزل فيها. و فهمه هذا هو نفسه التاريخية التي قال بها هشام جعيط، و النتيجة واحدة، مفادها أن دين الإسلام وليد زمانه و ظروفه التي ظهر فيها، و من ثم فهو محكوم بها، و بما أنها-أي تلك الظروف-قد زالت و يستحيل إعادتها، فالإسلام له نفس المصير بالضرورة. فهو-حسب زعمهما- لا يصلح لكل زمان و مكان، باسم تاريخة جعيط، و معهودية الجابري. و هو زعم باطل، مردود عليهما، سبق بيان بطلانه.
تبيّن مما ذكرناه-في الفصل الثاني- أن الكاتب هشام جعيط مارس التحريف و التخريف و التغليط في كثير مما كتبه عن القرآن الكريم و النبي محمد -عليه الصلاة و السلام-،و مع ذلك يدعي أنه علمي و موضوعي يلتزم بالمنهج العلمي في كتاباته و تحليلاته. و نحن قد سبق أن أبطلنا مزاعمه بما فيه الكفاية، لكننا مع ذلك سنقف هنا أيضا عند مزاعم أخرى لنبيّن مزيدا من انحرافاته و خرافاته، و فقدانه للموضوعية و العلمية في كثير مما قاله عن القرآن و نبي الإسلام.
أولا إن الرجل زعم أن هدفه من كتابه تاريخية الدعوة المحمدية ليس (( المس بالمقدسات الإسلامية، و لا بالذات النبوية، و ليس إقامة أحكام تقريضية، و لا سلبية بالمثل، فالعلم يُحاول أن يُفسر الأمور لا أن يحكم عليها ) ) [2] . فهل قوله هذا صحيح؟، كلا إنه ليس صحيحا، إنه نقض قوله هذا و داس عليه مرارا و تكرارا، مُعتمدا على ظنونه و أهوائه. فقد سبق أن بينا أن جعيطا اتهم رسول الله بالكذب عندما زعم
(1) نفس المرجع، ص: 259.
(2) هشام جعيط: تاريخية الدعوة، ص: 6.