فهم القرآن من جهة، و جعل فهم الشرع محصورا فيه من جهة أخرى. فزعمه هذا غير صحيح، و تحريف للشرع، و تغليط للقراء.
و قد كرر الجابري زعمه عندما قال: إن القرآن لم ينزل بكلمات عربية فقط، و إنما نزل أيضا حسب معهود العرب، و لو لم يكن كذلك لما أمكن أن يفهموه [1] .و قوله هذا يُشبه قوله السابق، و قد ناقشناه فيه و بينا تهافته، لكننا نقول هنا ما يأتي: إن القرآن الكريم الذي هو مصدر دين الإسلام عقيدة و شريعة، أخلاقا و مفاهيم، إعجازا وعلوما، خلودا و عالمية، لا يمكن أن يكون حسب معهود العرب، و ليس فيه من معهودهم إلا القليل، و في مكانه المناسب، و هو جزء من الوحي الإلهي. لكن الجابري حوّل الحبة الصغيرة إلى قبة كبيرة، فتحولت الحقيقة الصغيرة إلى خرافة كبيرة. و ليس صحيحا بأن القرآن لو لم ينزل حسب معهود العرب لما أمكنهم فهمه، فهذا تغليط و تدليس، ولا يصح في معظمه، لأن القرآن عندما نزل كان يُفهِمُ نفسَه بنفسِه، من جهة، و بعضه يُبينه النبي-عليه الصلاة و السلام- و يشرحه للناس، و لهذا قال الله تعالى لرسوله: (( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) )-النحل: 64 - و قال للمسلمين: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) )-الحشر: 7 - . و أي إنسان يتقن اللغة العربية يستطيع أن يفهم القرآن بالقرآن، و بالسنة النبوية، و بعلوم أخرى مساعدة، من دون أن يعود إلى معهود العرب إلا في الآيات التي يساعد معهود العرب في فهمها.
و قال أيضا: إن الظاهرة القرآنية و إن (( كانت في جوهرها تجربة روحية، نبوة و رسالة، فهي في انتمائها اللغوي، و الاجتماعي، و الثقافي، ظاهرة عربية، و بالتالي يجب أن لا ننتظر منها أن تخرج تماما عن فضاء اللغة العربية ) ) [2] .
و أقول: ليس صحيحا أن القرآن الكريم ظاهرة عربية في انتمائها الاجتماعي و الثقافي، فهذا زعم باطل، الجابري مصري عليه، و لم يُرد التفريق بين اللغة العربية كوسيلة لفهم القرآن، و بين مضمونه الثقافي و الاجتماعي، و العقيدي و التشريعي، و العقلي و العلمي. فالقرآن عربي اللسان، لكنه ليس عربي المضمون أبدا، فهو كلام الله تعالى المُتضمن لدينه بإلهياته، و شريعته، و طبيعياته، و منطقياته، و إعجازاته، فالقرآن لا ينتمي أبدا إلى معهود العرب، وليس هو ظاهرة عربية، و لا بشرية أصلا. و ليست فيه اللغة العربية إلا وسيلة فقط، و الذين يفهمونه بترجمة معانيه من المسلمين و غيرهم، لا يحتاجون إلى اللغة العربية في فهمه و تعلّم دين الإسلام. و بذلك يكون القرآن الكريم قد خرج عن معهود العرب، و هو الذي أخرج اللغة العربية من فضائها المعهود، و ادخلها مجالات ليست معهودة لها من جهة، و خاض بها ميادين لم تكن العرب تعرفها من جهة أخرى.
(1) نفس المرجع، ص: 195.
(2) نفس المرجع، ص: 27.