فهرس الكتاب
:41 - 42 - ، و (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) )-الجاثية: 18 - . و مضمونه شاهد على أنه يتضمن علوما كثيرة لم يكن للعرب معرفة بها أصلا، و فيه أيضا ما كانوا يعرفونه لأنه من معهودهم.
و لو كان زعمه صحيحا فإنه لا معنى، و لا فائدة من إرسال النبي-عليه الصلاة و السلام- إليهم، لأنه سيأتيهم بمعهودهم، و من ثم فهو لم يأت بجديد، و عمله هذا هو نوع من العبث. لذا وجدنا القرآن الكريم أعلن صراحة أن رسول الله جاء إليهم ليُغير حياتهم كلها، ظاهرا و باطنا، لينقلهم من الظلمات إلى النور، و من الجاهلية إلى الإسلام، و يُعيد تربيتهم من جديد، و أنه جاءهم بما لا يعرفونه، كقوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) )-الجمعة: 2 - ،و (( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) )-البقرة: 151 - ،و (( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) )-آل عمران: 164 - ، و (( مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) )-المؤمنون: 24 - و (( وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (الأنعام: 91 - .
و لا يغيب عنا أن فهم القرآن لا يتوقف أساسا على معهود العرب، و إنما يتوقف أساسا على فهمه بالقرآن نفسه أولا، ثم بالسنة النبوية الصحيحة الموافقة له ثانيا، و منه آيات تُفهم بالرجوع إلى فقه الصحابة و السلف، و منه آيات أخرى تُفهم باستخدام علوم كثيرة مساعدة على فهمه، كالتاريخ القديم، و التاريخ الطبيعي للكون، و علوم الطبيعة و العمران البشري. و منه آيات تُفهم بالتأمل العقلي المجرد، و أخرى تُفهم بمعهود العرب، الذي هو رافد من الروافد الكثيرة المساعدة على فهم القرآن الكريم، و ليس هو كما زعم الجابري بأن فهم القرآن محصور في معهود العرب.
و لا بد من التفريق بين اللغة العربية كوسيلة للفهم، و بين معهود العرب الثقافي و الحضاري و الاجتماعي كتراث عربي. لأن الجابري أراد أن يُوهمنا بأن معرفة اللغة العربية ضروري لفهم القرآن في إطار معهود العرب، و هذا ليس شرطا، و اشتراطه لا يصح، لأن فهم القرآن يتم باللغة العربية كوسيلة لفهمه من دون الرجوع إلى ذلك التراث في الغالب الأعم، و حتى إذا رجعنا إليه فهو من باب التوضيح و الاستئناس، و يُمكن الاستغناء عن معظمه. و قد تُفهم آياته بغير اللغة العربية بترجمة معانيه، و في هذه الحالة أيضا ليس ذلك التراث شرطا ضروريا لفهمه، و إنما هو قد يُستعان به في فهم بعض الآيات، كما يُستعان في بعضها بالتاريخ القديم و علوم أخرى. و الذي نريد التأكيد عليه هو أنه لا توجد علاقة ضرورة و حتمية بين فهم القرآن و معهود العرب، الذي جعله الجابري متحكما في