الصفحة 138 من 157

إطار معهودهم الاجتماعي و الثقافي، حتى يمكن أن يفهموه )) . و هذا الرأي رجّحه الجابري، و أيده و تبناه، و ذكر أن كثيرا من علماء الإسلام قالوا ذلك [1] .

و ردا عليه أقول: أولا إن الجابري حكى ذلك الرأي و أيده، من دون أن يُوثقه لنعرف قائله. و من حقنا عليه أن يُوثق كلامه الذي حكاه عن هؤلاء، لنعود إليه و نتأكد منه شكلا و مضمونا.

و أما ذلك الرأي الذي قال به، فهو غير صحيح في معظمه، و فيه تغليط للقراء و تدليس عليهم من جهة، و فيه جناية على الشرع و القرآن الكريم من جهة أخرى. و ذلك أن فهم القرآن ليس محصورا في مفهوم العرب فقط، و إنما يُفهم بالصحيح من معهودهم، و بكل الحقائق الشرعية، و العقلية، و العلمية الطبيعية منها و العمرانية. و ليس فهمه محصورا أيضا في الزمن الذي ظهر فيه القرآن الكريم، لأن هذا الحصر يتناقض مع خلود دين الإسلام و عالميته.

و ثانيا إن قوله بأن حجتهم في ذلك هي أن القرآن جاء ليُخاطب العرب ليفهموه، و ليتم ذلك لابد أن يكون بلغتهم. فهذا تغليط منه، و تحريف للشرع. لأن دين الإسلام لم يأت لمخاطبة العرب فقط لكي يفهموه، و إنما جاء أيضا إلى كل بني آدم على وجه الأرض، ليُخاطبهم و يفهموه أيضا، لقوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) )-الأنبياء: 107 - ، و (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) )-الأعراف: 158 - و (( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ) )-الإنفطار: 6 - 8 - و (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) )-البقرة: 21 - . فالله تعالى قد خاطب كل بني آدم -من خلال القرآن الكريم- بلسان عربي مُبين، و فهمه ليس حكرا على العرب، ففي مقدور أي إنسان أن يفهمه بتعلمه للغة العربية، أو بترجمة معانيه إلى مُختلف اللغات. و في زماننا هذا عشرات الملايين من المسلمين يفهمون القرآن بلغاتهم بواسطة ترجمة معانيه إلي لغاتهم، و كثير منهم يقرؤونه باللغة العربية، بعد تعلمهم لها. ففهم القرآن ليس محصورا بالضرورة في العرب و لا في لغتهم.

و ثالثا إن قوله: (( و أنه لابد -تبعا لذلك- أن يكون خطابه بلغتهم، و في إطار معهودهم الاجتماعي و الثقافي، حتى يمكن أن يفهموه ) ). هو قول غير صحيح في معظمه، لأن القرآن الذي نزل باللغة العربية ليفهمه من يعرف اللغة العربية من العرب و غيرهم من الأجناس، فإن مضمونه ليس عربيا، و لا من معهود العرب، و إنما هو كلام إلهي، و رسالة ربانية خاتمة، لقوله تعالى: (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) )- سورة صـ: 29 - ، و (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- فصلت

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت